الرد الشافي على الشامي(آل البيت في المنظور القرآني)
حارث الشوكاني
حارث الشوكاني

قرأت رد المدعو عبد الله الشامي على مقالي (من هم آل البيت ولمن الولاية في القرآن) ووجدته رداً هزيلاً متهافتاً، وتظهر هزالة رده واضحة للعيان لتهرب الكاتب من مناقشة الأدلة القرآنية المتواترة التي أوردتها في بيان من هم آل البيت في القرآن والتي إلتزمت فيها بمنهجية تفسير القرآن بالقرآن ثم الإستشهاد بأحاديث الرسول (ص) الموافقة لمتون النصوص القرآنية لا المتعارضة معها كما فعل هو في إستشهاده بالأحاديث التي أوردها.

وتظهر هزالة رده أيضاً من زاوية أخرى عندما إستشهد بأقوال علماء أهل السنة في تحديد مفهوم آل البيت وأكد أن علماء السنة إنقسموا إلى فريقين في هذا الصدد، فريق يعتبر أهل البيت هم المنتسبون للرسول (ص) نسباً وطيناً وفريق آخر يعتبر أهل البيت هم المنتسبون للرسول (ص) إيماناً وديناً، فأكد بقوله هذا أنني لم أطرح فكرة جديدة وإن كان هذا من حقي طالما دلّلت على الجديد بهدي السماء (قرآناً معصوماً أو سنة معصومة بالقرآن) فجاء تأكيده بأن علماء الإسلام قد قالوا بأن أهل البيت هم الأتباع الأتقياء حجة عليه لا له، وإن كان قد ضعّف هذا الرأي.

وفي هذا الصدد سأرد عليه بأدلة قاطعة متواترة من عدة زوايا على النحو التالي:-

أولاً:- المنهجية الصحيحة للفهم والإستدلال:

قبل أن أشرع في المناقشة الموضوعية للأدلة الشرعية لا بد إبتداء من الإتفاق على المنهجية الصحيحة للفهم والإستدلال لأن الأزمة المعرفية التي تعاني منها العقلية الإسلامية اليوم هي أزمة منهجية تولّد عنها أزمة معرفية تولّد عنها أزمة تصورية، وهذه الصدوع التي تعرضت لها العقلية الإسلامية هي نتاج الهجمة التأويلية والمعرفية المجوسية واليهودية الذين عندما عجزوا عن مواجهة الإسلام سياسياً وعسكرياً إثر سقوط الإمبراطورية الفارسية رفعوا شعار: (عجزنا عن مقاتلتهم على التنزيل فسنقاتلهم على التأويل) وإلى هذا المعنى أشار القرآن بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) ، ساعد على ذلك أن العرب لا سيما قريش كانوا حديثي عهد بالعلوم والمعارف (أُمة أُميّة) وحديثي عهد بشئون إدارة الدول والحضارات في حين أن المجوس واليهود كانوا يملكون رصيداً متراكماً معرفياً وسياسياً.

تولد عن هذه الهجمة الشرسة ما يمكن تسميته بالعقلية النصية الجزئية لا الكلية ونقصد بهذه العقلية: العقلية البسيطة غير القادرة على الفهم التحليلي الإستنباطي التركيبي العقلية التي تستخدم ملكة الحفظ أكثر من ملكة الفهم ولذلك نجدها تتعامل مع النصوص الشرعية بطريقة مجزأة كنصوص وليس كمواضيع، في حين أن المنهجية الصحيحة لفهم القرآن والسنة هي البحث فيهما كمواضيع وليس كنصوص مجزأة بجمع كل نصوص الموضوع الواحد في وحدة موضوعية واحدة مع التمييز بين مراتب الأدلة موضوع الإستدلال إحكاماً وتشابهاً يقيناً وظناً قوة وضعفاً أصولاً وفروعاً كليات وجزئيات سنداً ومتناً عاماً وخاصاً مجملاً ومقيداً.

وحتى نصل إلى هذه المعالم المنهجية لا بد من الإتفاق على هذه القواعد المنهجية للفهم والإستدلال على النحو التالي:-

1- لفهم نصوص الوحي فهماً لا يخل بوحدتها الموضوعية لا بد من الربط بين مقاصد الشريعة وكلياتها وجزئياتها ربطاً يؤدي إلى تساوق وتوافق هذه المحاور وتولد بعضها عن بعض لا فهماً يضرب بعضها ببعض {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}النساء82.

2- وللوصول إلى هذا الفهم الذي يربط بين المقاصد والكليات والجزئيات ربطاً متوافقاً غير متخالف لا بد أن تكون المقاصد العامة للإسلام واضحة أمام العالِم وهي: الحرية (إجتناب الطاغوت بالمصطلح القرآني) – المساواة – العدالة – الوحدة – السلام – الإصلاح وعدم الفساد. (هناك كتاب لي تحت الطبع تحت عنوان المقاصد العامة للإسلام رؤية تأصيلية تجديدية قرآنية) .

3- بعد تحديد المقاصد العامة للإسلام يتم البحث في أصول وكليات المعاني القرآنية (المحكمات) قبل الفرعيات والجزئيات (المتشابه) وحتى نصل إلى هذا الفهم لا بد من البحث في نصوص الوحي كموضوعات وليس كنصوص مجزأة فأبحث على سبيل المثال موضوع الولاية العامة والخلافة أو موضوع آل البيت كموضوع كلي.

وفي هذا السياق يتم جمع كافة النصوص الواردة في القرآن والسنة المتعلقة بالموضوع ثم فهمها فهماً متوافقاً كوحدة موضوعية واحدة يفسر بعضها بعضاً لا فهماً متضارباً متعارضاً بين نصوص الموضوع الواحد.

4- بعد جمع أدلة الموضوع الواحد يجب التفريق بين أصول معاني الموضوع (المحكمات) وفروعه (المتشابهات) لأن لكل علم وموضوع قواعد وأصول وجزئيات وفروع ولا يمكن الوصول إلى الفهم المحكم لأدلة الموضوع الواحد إلا إذا تم تحديد أصول الموضوع أولاً ثم تركيب فروع الموضوع على أصوله لأن منشأ التشابه يأتي من الإستشهاد بالأدلة الفرعية قبل أصولها.

5- بعد البحث الكلي عن موضوع معين في القرآن والفراغ من تحديد أصوله وفروعه أقوم بعرض هذا الموضوع الكلي على المقاصد العامة للتأكد من عدم فهم هذا الموضوع بما يعارض المقاصد العامة.

6- لا بد من التفريق بين نصوص الوحي كتاباً وسنة من حيث حجيتها وبين فهوم العلماء لها، فالقداسة إنما هي ثابتة للوحي المعصوم قرآناً معصوماً وسنة معصومة بالقرآن، أما فهوم العلماء فهي عرضة للخطأ في الفهم بحكم بشريتهم وعرضة للتأثر والتأطر بخصوصية الواقع الظرفي زماناً ومكاناً وبالتالي فلا يمكن سحب قداسة الوحي على فهومهم، ولا تبرز حجيتها إلا بإسناد فهمهم بدليل من الكتاب والسنة لقوله تعالى {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }الأعراف3، وقوله تعالى {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ}القصص50.

7- في إطار نصوص الوحي لابد من التفريق بين ما هو نص قرآني ونص لحديث نبوي فالقرآن مقدم في الإعتبار على السنة النبوية سنداً ومتناً لأن القرآن قطعي يقيني والسنة النبوية الصحيحة الأحادية باستثناء المتواترة ظنية كما قرر ذلك علماء الحديث والفقه.

8- ونصوص السنة الأحادية الصحيحة السند متفق على العمل بها ما لم تصادم وتخالف وتناقض نصوص القرآن ومقاصد الشريعة، وعند حدوث التعارض بين نصوص القرآن ونصوص السنة يتم العمل بالمبدأ الأصولي المعروف (مبدأ التعارض والترجيح) أي العمل بقاعدة الموازنة بين الأدلة والترجيح أي نسعى للتوفيق بين نص الحديث ونص القرآن ولو أدى الأمر كما يقول علماء الأصول إلى الأخذ بالمفهوم المرجوح وترك المفهوم الراجح للحديث النبوي ليوافق النص القرآني فإن إستحالت عملية الترجيح تم رد الحديث المعارض للقرآن كما قرر ذلك علماء الأصول على رأسهم الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات وكيف أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ردت حديث رسول الله (ص) الصحيح السند الضعيف المتن (إن الميت ليعذب ببكاء أهله) لتعارضه مع قوله تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وكما قرر ذلك علماء الحديث على رأسهم الإمام البخاري حيث أورد في صحيحة أن عائشة ردت هذا الحديث لتعارضه مع القرآن بالرواية التالية (فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقَالَتْ حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ{هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى})(5)(33).

كما أنه من المعلوم أن الإمام مالك رضي الله عنه الفقيه والمحدث المعروف صاحب كتاب الموطأ كان يقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد فضلاً عن تقديم المعنى القرآني على الحديث النبوي الآحادي إذا تعارض معه وإلى هذا المعنى أشار إبن تيمية بقوله: (وَلَا تُعَارَضُ السُّنَّةُ بِإِجْمَاعِ وَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ الْآثَارِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالطَّالِبُ قَدْ لَا يَجِدُ مَطْلُوبَهُ فِي السُّنَّةِ مَعَ أَنَّهُ فِيهَا وَكَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ لَهُ إذَا لَمْ يَجِدْهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَطْلُبَهُ فِي السُّنَّةِ وَإِذَا كَانَ فِي السُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ مَا فِي السُّنَّةِ مُعَارِضًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ الصَّحِيحُ لَا يُعَارِضُ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً) مجموع الفتواى (4)(208).

ثانياً: الأصول المحكمة المتعلقة بمفهوم أهل البيت وآل البيت في القرآن:

بعد بيان معالم منهج الإستدلال والفهم للوحي وأهمية الصدور في التعامل مع نصوص الوحي عن رؤية كلية شمولية تدخل جزئيات الشريعة ضمن كلياتها وتدرج كليات الشريعة تحت مقاصدها ليتشكل من هذا الترابط نسيج محكم يتحقق من خلاله التوافق الموضوعي للنصوص، وبيان محاذير الإستدلال المجزأ للنصوص الذي قد يؤدي إلى تعارض النصوص بعضها مع بعض وإلى فهم بعض النصوص الجزئية فهماً سطحياً مباشراً يطوّح بمقاصد الدين وغاياته ومراميه.

لنحاول إنطلاقاً من هذه المنهجية فهم النصوص المتعلقة بموضوع آل البيت في القرآن والسنة بما يؤدي إلى إبراز هذا الموضوع في وحدة موضوعية متكاملة عبر طرح المحكم في هذا الموضوع وأمهات المعاني ثم مناقشة الأدلة الفرعية في ضوء الأصول المحكمة، وإذا حصل أي تعارض بين الأدلة الفرعية والأصول المحكمة أعملنا القاعدة الأصولية (قاعدة التعارض والترجيح) لإيجاد التوافق بين نصوص السنة ونصوص القرآن المحكمة ومالم فالإعتبار يكون للنصوص القرآنية المحكمة على النحو التالي:-

(1) نسب الدم والطين ونسب الإيمان والدين:

من المعلوم أن كلمة بيت وأخ وأب وأم تطلق في الإستخدام اللغوي والعرفي ويقصد بها نسب الدم والطين، لكن المتدبر في القرآن والسنة سيجد أن القرآن قد إستخدم هذه المصطلحات (بيت – أخ – أب – أم) إستخداماً شرعياً ترتب على هذا الإستخدام القرآني نسب وآصرة دينية لا نسب وآصرة طينية بدليل قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فهذه الآية صريحة الدلالة في إعتبار المؤمنين أخوة ديناً مع أن المألوف أن هذا التعبير (أخ) لا تطلق إلا على الأخوة من القرابة والدم لا من الإيمان والقيم، ولم يكتفي القرآن بالتأكيد على أن المؤمنين أخوة وإنما أطلق على نساء النبي (ص) أمهات المؤمنين بصريح قوله تعالى (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) وبهذا يمكننا القول بأننا أمام معادلة كالمعادلة الرياضية فنقول (ما دام المؤمنون أخوة وأزواج النبي (ص) أمهاتهم إذاً فالنبي (ص) أبو المؤمنين أبوة دينية لا طينية) ويتعزز هذا الفهم بأن النبي (ص) أبو المؤمنين ديناً لا طيناً بقوله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}الأحزاب6، فصريح القرآن جعل النبي (ص) ولي أمر المؤمنين، فكأن المقصود بالتعبير هذا هو تقرير أبوة محمد (ص) للمؤمنين ويتعزز هذا الفهم بمنهجية تفسير القرآن بالقرآن بقوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).

ومن المعلوم أن الأب في إطار الأسرة يسمى ولي الأمر ورب البيت، فكلمة (أب – وولي – ورب البيت) تطلق في اللغة العربية بمعاني مترادفة، ويتعزز هذا الفهم بقوله تعالى في سياق إبراهيم عليه السلام عندما إدعى اليهود أنهم آل بيته دماً وطيناً فجاء القرآن وردّ على اليهود بأن أولى الناس بإبراهيم هم محمد (ص) والمؤمنين وليس اليهود في قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران68، فقوله تعالى (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ) مطابقة لقوله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ).

ولما كان القرآن قد أطلق على إبراهيم صفة الأبوة للمسلمين (أبوة الدين لا أبوة الطين) في قوله تعالى (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ)، فهذه آية قرآنية تدل على أن المقصود بالمصطلح القرآني (أولى) في سياق إبراهيم و (أولى) في سياق محمد (ص) أبوة الدين لا أبوة الطين.

وبهذا نخلص إلى معنى هام وهو أن كلمة أهل وآل إذا كانت في المصطلح اللغوي والعرفي تطلق على نسب الطين إلا أن القرآن في المصطلح الشرعي قد نقل آصرة النسب من الطين إلى الدين فاعتبر المؤمنين أخوة وزوجات النبي (ص) أمهاتهم والنبي (ص) أبوهم ديناً لا طيناً.

وبهذا يتضح أن أهل البيت وآل البيت في المنظور القرآني هم المنتسبون إلى الرسول محمد (ص) ديناً (المؤمنون) لا المنتسبون للرسول (ص) طيناً (بني هاشم).

ويتعزز هذا الفهم للقرآن بأن هناك نسب دين ونسب طين حديث النبي صلى الله عليه و سلم حيث قال: "يقول الله يوم القيامة أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان وفلان أكرم من فلان وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون".

(2) قصة نوح والمعنى الشرعي لأهل نوح:-

ويتعزز الفهم السالف لمفهوم أهل البيت في المنظور القرآني إلى درجة القطع في قصة نوح عليه السلام بقوله تعالى (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ{45} قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{46} قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ{47}) هود.

فنجد صريح القرآن في هذا السياق يؤكد بدلالة قطعية مفهوم أهل البيت في القرآن بأن أهل البيت هم المنتسبون للأنبياء ديناً وعملاً صالحاً وإيماناً لا المنتسبون دماً وعرقاً وسلالة، فمن المعلوم أن إبن نوح من أهله دماً في الإستخدام المتعارف عليه عند الناس وفي اللغة ولكن القرآن ينفي هذه الصفة عنه بقوله تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) ودليل النفي في هذا المقام أقوى من دليل الإثبات، وزيادة في التحذير القرآني جاء قوله تعالى (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).

وبهذا نفهم أن كل من أثبت معنى أهل البيت بنسب الطين ونفى نسب الدين قد قال في هذا الأمر بغير علم، ثم يشدد القرآن على نوح بقوله تعالى (إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وكلمة الجاهلين في هذا السياق تتجاوز معنى الجهل إلى معنى الجاهلية أي أهل الجاهلية، وأهل الجاهلية هم أهل العصبية الجاهلية الذين قال فيهم الرسول (ص) بأحاديث صحيحة (ليس منا من دعا إلى عصبية) (دعوها فإنها منتنة)

(3) المعنى المحكم لآل البيت في القرآن بأنهم الأتباع:-

لو تدبرنا القرآن لوجدنا المعاني القرآنية تتواتر في تقرير وتأكيد نسب الدين وإلغاء نسب الطين من ذلك مصطلح آل البيت فهو يرد في القرآن بمعنى الأتباع من المؤمنين وليس بالمعنى السلالي العنصري:-

- ففي سياق إدعاء اليهود بأنهم آل إبراهيم سلالة وعرقاً ناقش القرآن هذه الدعوى ونفى أنهم آل إبراهيم مع أنهم من سلالته فعلاً وقرر أن أولى الناس بإبراهيم هم أتباعه من المؤمنين على رأسهم محمد (ص) بما يؤكد بدليل قرآني قطعي أن الآل هم الأتباع في قوله تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران68، فقوله تعالى (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) دليل قطعي قرآني بأن آل إبراهيم وأولى الناس به هم أتباعه من المؤمنين لا اليهود المنتسبون إليه دماً وعرقاً، وصدق عالم اليمن الجليل نشوان بن سعيد الحميري عندما قال:

آل النبي هم أتباع ملته

من الأعاجم والسودان والعرب

لو لم يكن آله إلا قرابته

صلى المصلي على الطاغي أبي لهب

- ويتعزز هذا الفهم بمنهجية تفسير القرآن بالقرآن باستخدام القرآن لمصطلح الآل في سياق فرعون فمن المعلوم أن فرعون لم ينجب وزوجته كانت إمرأة صالحة ومع هذا إستخدم القرآن مصطلح آل فرعون في سياق أتباعه من جنوده بأدلة قرآنية صريحة قطعية الدلالة من ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }البقرة49، فصريح القرآن استخدم كلمة آل فرعون مع أن فرعون ليس له أولاد وإنما جنود وأتباع.

والذي يؤكد أن المقصود بآل فرعون أتباعه وجنوده بمنهجية تفسير القرآن بالقرآن قوله تعالى {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }البقرة50، فهذه الآية أكدت أن آل فرعون أغرقوا في البحر والدليل بأن الذين أغرقوا في البحر جنوده بمنهجية تفسير النص بالنص قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ }طه78، فهذه دلالة قطعية بأن آل فرعون هم جنوده وأتباعه.

ويتعزز هذا الفهم بحديث الرسول (ص) عن أنس بن مالك: سُئل رسول الله (ص): من آل محمد؟ قال: (كل تقي) وتلا رسول الله (ص) (إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ) فهذا الحديث وإن ضعف سنده إلا أنه صحيح المتن لأنه تعزز بقوة النص القرآني فإذا كان الحديث يتعزز عند علماء الحديث بروايته من طرق أخرى فيقولوا صحيح لغيره أفلا يتعزز متن الحديث بالنص القرآني، وكذلك حديث الرسول (ص) (سلمان منا آل البيت) مع أن سلمان رضي الله عنه فارسي الأصل إلا أنه إنتسب لبيت النبوة ديناً لا طيناً، وهنا تبرز عظمة الإسلام الذي جمع بين صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وأبو بكر الصديق العربي على خيرية القيم والدين لا خيرية النسب والطين.

(4) ما المقصود بقولنا في التشهد الأوسط (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم):

أقول إن المتدبر للقرآن سيجد أن معنى الآل الوارد في سياق الصلاة على النبي الذي نردده في التشهد الأوسط عند كل صلاة هم المؤمنين وليس المقصود بآل محمد (ص) بني هاشم.

والدليل القرآني القاطع هو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً{41} وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً{42} هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً{43})الأحزاب، فهذه الآية وجهت الخطاب بدلالة صريحة قطعية للمؤمنين بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ولم يتوجه الخطاب القرآني يا بني هاشم، وفي سياق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) جاء قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ)، إذاً فالصلاة من الله والملائكة هي للمؤمنين وليست لبني هاشم ويتعزز هذا الفهم بقوله تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) ولم يرد في الآية وكان الله ببني هاشم رحيماً.

فهذه دلالة قطعية قرآنية أن قولنا (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) أن المقصود بالآل هنا هم المؤمنون أي الأتباع من المؤمنين وليس آل محمد نسباً وعرقاً وعصبية.

وعلى الرغم من أن الآية السالفة كافية في بيان معنى الآل في التشهد وقطعية الدلالة، إلا أنني سأؤكد هذا المعنى من زاوية أخرى وهي أننا لو افترضنا أن المقصود بالآل السلالة والعرق فإن معنى التشهد عندئذ سيصبح على النحو التالي (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد) آل محمد بني هاشم برهم وفاجرهم، وقولنا: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) فإن آل إبراهيم هنا هم اليهود وبهذا التفسير العنصري لمعنى الآل سيكون معنى التشهد أن المؤمنين قد خرجوا من هذا الدعاء وأنهم يلهجون بالدعاء لبني هاشم برهم وفاجرهم ولبني إسرائيل المغضوب عليهم ومثل هذا الفهم يصادم ثوابت القرآن والسنة.

ويتعزز هذا الفهم بأن المقصود بآل إبراهيم بني إسرائيل إذا فهمنا الآل بمعنى عرقي ما ورد في القرآن من رد في سياق اليهود الزاعمين أنهم آل إبراهيم بقوله تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران68، فقد نفت الآية إرتباط اليهود بإبراهيم مع أنهم من نسله وأثبتت أن أولى الناس به وآله هم أتباعه محمد (ص) والمؤمنين.

(5) مفهوم أهل البيت وآل البيت في السنة النبوية:

بعد إيرادي للأدلة القرآنية المتواترة القطعية الدلالة لا الظنية سأستشهد بأحاديث من السنة النبوية مؤكدة للمعاني القرآنية السالفة مع العلم أن القرآن مقدم في الإعتبار على السنة فإذا وردت أدلة من السنة موافقة له تعززت هذه المفاهيم بالقرآن والسنة ولا بد من الإشارة في هذا المقام أننا عندما نورد دليلاً من السنة ويكون هذا الدليل موافقاً لمعنى موجود في القرآن فإن دليل السنة يتعزز بقوة النص القرآني فإذا كان الحديث حسن السند أو ضعيف السند وجاء متنه مطابق لنص قرآني فإن الحديث يصبح صحيحاً لغيره، لأنه إذا كان علماء الحديث يعززون صحة الحديث إذا كان ضعيفاً أو حسناً إذا وردت رواية أخرى صحيحة مؤكدة لمعنى الحديث الضعيف فيطلقون على الحديث الضعيف المعزز برواية أخرى صحيح لغيره، فإنه من باب الأولى أن يتعزز متن الحديث الصحيح أو الحسن أو الضعيف بمتون النصوص القرآنية.

وسأورد في هذا المقام أحاديث صحيحة السند موافقة لمتون النصوص القرآنية على النحو التالي:-

1- يقول الرسول (ص) في الحديث الصحيح (إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي وإن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا، اللهم إني لا أحل لهم فساد ما أصلحت وأيم والله ليكفئون أمتي عن دينها كما يكفأ الإناء في البطحاء) إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات -تحقيق الألباني-.

ولو تدبرنا معنى هذا الحديث الصحيح السند الصحيح المتن لموافقته للنصوص القرآنية السالفة لوجدناه يؤكد عدة معاني هامة:

أ‌- أنه وإن كان أهل البيت من النسب والطين إلا أن أولى الناس بالرسول (ص) هم المتقون وهذا تأكيد من السنة الصحيحة إلى أن أولى الناس بمحمد (ص) هم المتقون وأن أهل بيته وآله هم المتقون.

ب‌- الحديث لم يكتفي بتقرير مفهوم أهل البيت وآله في المتقين من كانوا وحيث كانوا بل وصف الزاعمين بأنهم أولى الناس بمحمد (ص) وبالتالي لهم حق إحتكار الولاية والسلطة والثروة والعلم وصف الرسول (ص) المدعين هذا الإدعاء بأنهم سيفسدون ما أصلحه من تقرير قاعدة المساواة بين الناس وأن أكرم الناس هم المتقون وليسوا بني هاشم وأن المتقون هم الأولى بالحقوق السياسية والإجتماعية من الذين يفسرون الدين تفسيراً عنصرياً، فوصفهم بأنهم سيفسدون ما أصلحه. دليل قوي على إدانة الرسول (ص) لمثل هذا التأويل العنصري للدين.

ج‌- ولم يكتفي هذا الحديث النبوي بوصف الزاعمين أنهم أولى الناس بمحمد (ص) نسباً وطيناً بأنهم سيفسدون ما أصلحه عبر تقرير الرسول (ص) لمساواة الناس في الحقوق السياسية والإجتماعية بل وصفهم بأنهم سيخرجون الناس عن حقيقة دينهم كما يكفأ الإناء في الصحراء، فماذا سيقول دعاة التأويل العنصري للدين بعد هذه المحكمات من القرآن والسنة وهذا الحكم الصادر عن الرسول (ص) فيه إدانة خطيرة.

2- حديث الرسول (ص) (فتنة السراء دخنها من تحت قدم رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني وإنما أوليائي المتقون) حديث صحيح صححه الألباني في سلسلته الصحيحة (صحيح الجامع) رقم(4194).

فهذا الحديث الصحيح يؤكد بجلاء مفهوم أهل البيت بنفس المفهوم الوارد في القرآن بأن أهل بيت رسول الله هم المتقون ولم يكتفي بذلك بل أنكر مفهوم أهل البيت بالنسب والطين (يزعم أنه مني وليس مني).

ولم يكتفي الحديث بذلك بل وصف التأويل العنصري للإسلام بأنه فتنة بنفس الوصف القرآني لأهل الزيغ (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)

(6) وحدة الأصل البشري:

الزاعمين بأحقيتهم بالولاية بدعوى أن لهم نسب يرتبط بالنبي (ص) نرد عليهم بدليل قطعي قرآني وهو التأكيد الإلهي في القرآن بأن البشرية تتحدر من أصل واحد فكل البشرية تعود بجذورها إلى أبينا آدم عليه السلام أي أن البشرية في المنظور القرآني ليسوا أمة واحدة وشعباً واحداً فحسب بل هم أسرة واحدة وبيت واحد بيت آدم عليه السلام والأدلة القرآنية المؤكدة بأن البشرية تتحدر من أصل واحد ونفس واحدة هي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }النساء1، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98، وقوله تعالى {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}الزمر6، فهذه الآيات البينات أكدت بدلالة قطعية وحدة الأصل البشري فكلهم يرجعون لآدم عليه السلام.

ولذلك نجد القرآن في خطابه للبشرية يستخدم هذا النداء (يَا بَنِي آدَمَ) تأكيد لهذه المعاني من ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }يس60، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70.

ومن هذا المنطلق نقول أن الزاعمين بأحقيتهم في الولاية بدعوى النسب المرتبط بالرسول محمد (ص) مردود عليهم بقاعدة وحدة الأصل البشري وأن كل البشرية ينتسبون إلى أبينا آدم عليه الصلاة والسلام فإذا كان للإنتساب بالرسل ميزة فهذه الميزة يشترك فيها كل البشر مسلمهم وكافرهم فكل البشرية هم آل آدم وأهل بيته عليه الصلاة والسلام وآدم هو نبي الله ورسوله، وبهذه الحقيقة القرآنية القاطعة تنقطع دعوى كل لسان يدعي الأفضلية العنصرية بالتحدر من سلالة نبي ورسول والزعم بأنها سلالة مقدسة والآخرين سلالة مدنسة وأن هذه السلالة المقدسة هي سادة البشر لهم السلطة والعلم والثروة، وأن بقية البشر خلقوا لهم عبيداً وخدماً.

ونجد السنة النبوية مطابقة للقرآن في التأكيد على وحدة الأصل البشري وأن معيار التفاضل ليس قائم على الأنساب بل على التقوى في حديث الرسول (ص) (يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) رواه الإمام البيهقي، من حديث جابر رضي الله عنه.

وكذلك روا أحمد في المسند (2 /361 ح8721) عن أبي هريرة بلفظ: "إن الله عز و جل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب لينتهين أقوام فخرهم برجال أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن"..

وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "يقول الله يوم القيامة أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان وفلان أكرم من فلان وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون".

فكل هذه الأحاديث أكدت وحدة الأصل البشري وأفضلية التقوى، وقول الرسول (ص): (وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون) تأكيد لما أسلفته من أن هناك نسب دين ونسب طين.

(7) معيار التكريم والرفعة والعزة في القرآن هو التقوى والعلم والإيمان وليس النسب:

لو تدبرنا هذه المعاني القرآنية الهامة (التكريم – الرفعة – العزة) لوجدناها في القرآن قائمة على أساس التقوى والعلم والإيمان وهي معايير كسبية يمكن للناس أن يتسابقوا على تحصيلها.

ولم يجعل القرآن معايير التكريم والرفعة والعزة معايير قسرية ترتبط بالنسب أو اللون أو العرق أو القوم والوطن فليس بيد الإنسان أن يحدد عرقه أو لونه أو قومه، ولذلك لم يجعل الله من عدالته هذه المعايير القسرية (العرق – اللون – الوطن – القوم) معياراً للتكريم والرفعة والعزة:

معيار التكريم في القرآن:

التكريم في القرآن تكريمان تكريم فطري وتكريم شرعي.

فالتكريم الفطري جعله الله لكافة بني آدم بتكريمهم بالعقل والإرادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70، فهذه الآية بدلالة صريحة فيما يتعلق بالتكريم الخلقي أوضحت أن الله قد جعل الكرامة لكافة بني البشر لكن التفسير العنصري الهادوي والتفسير العنصري اليهودي قد حصر التكريم الخلقي في بني إسرائيل وبني هاشم.

أما التكريم الشرعي المطابق للفطرة فقد جعله الله معياراً كسبياً لا قسرياً وهو معيار التقوى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13.

كما صرح القرآن برفض التكريم القائم على الأساس العنصري من خلال إسناد الخلافة لآدم في الأرض ونزعها عن الشيطان عندما إستكبر ورفض القرار الإلهي بتعيين آدم خليفة في الأرض بدعوى أفضليته العنصرية كون آدم خلق من طين والشيطان من نار في قوله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً }الإسراء62.

مفهوم الرفعة في القرآن:

بحسب التأويل العنصري الشيعي للإسلام يصبح مفهوم الرفعة في القرآن خاص ببني هاشم وآل البيت وقائم على أساس النسب والهبوط والذلة لغيرهم.

لكننا نجد معيار الرفعة في القرآن درجات والهبوط دركات مرتبط بمعايير كسبية يمكن أن يتسابق الناس عليها وهي الإيمان والعلم والعمل الصالح لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}المجادلة11، وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ }فاطر10، فنظام الخدمة المدنية في القرآن له درجات وله دركات وهذه الدرجات والدركات ليست قائمة على أساس عنصري وإنما على أساس إيمان وعلم وتقوى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}الأنعام165.

معيار العزة في القرآن:

العزة والذلة في القرآن قائمة على أساس الإيمان والعمل الصالح وليس على أساس عنصري لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ }فاطر10، وقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ }المنافقون8، فصريح هذه الآيات جعل العزة للمؤمنين وليس لبني هاشم أو سلالة ونسب، وجعل معيار هذه العزة والرفعة الطيّب من الأقوال والأفعال وليس الطيب نسباً.

لكن بالتفسير العنصري الهادوي للإسلام جعل الأئمة العزة والرفعة لبني هاشم في اليمن لهم الولاية والسلطة والعلم والثروة وأبناء اليمن أذلاء محرومون من حقوقهم السياسية والإجتماعية يُقبّلون رُكب السادة وصدق الله العظيم القائل: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }النمل34، فصريح هذه الآية أوضح لنا أن ذوي الأطماع السياسية الذين قد يتظاهرون بالتدين إذا دخلوا قرية أفسدوها، وحصرت الآية معنى الفساد في جعل أهلها أذلة بما يؤكد أن الدين جاء بالعزة والحرية والمساواة وليس بالطاغوت الإمامي الذي يقسم الناس إلى سادة أعزاء وعبيد أذلاء.

ثالثاً: فهم الأدلة الفرعية (المتشابهة) المتعلقة بموضوع آل وأهل البيت:-

بعد أن أوضحت المعاني المحكمة لمفهوم آل البيت وأهل البيت في القرآن والسنة الصحيحة بمنهجية تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة الموافقة لمتون النصوص القرآنية لا المتعارضة معها عملاً بقوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) لأن المنهجية الصحيحة للفهم والإستدلال الذي أشارت إليه الآية السالفة هو البدء بالمحكم أي الأصل (أم الكتاب) ثم المتشابه (الفرع) لأن الفرع كما يقول علماء الأصول لا يمكن معرفته قبل معرفة أصله ومن هنا ينشأ التشابه.

سأبدأ بمناقشة المدعو عبد الله الشامي ومتشابهاته التي طرحها على طريقة أهل الزيغ وصدق الله العظيم القائل (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) على النحو التالي:-

(1) حديث الكسا:-

حديث الكسا من أهم وأخطر الأحاديث التي يستشهد به من يفسرون الإسلام تفسيراً عنصرياً سلالياً إستكبارياً (الشيعة بمختلف مذاهبهم)، وهذا الحديث أربك أيضاً الكثير من علماء السنة، وهو حديث رسول الله (ص) المروي عن عائشة قالت: (خرج رسول الله (ص) وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

وفي رواية للترمذي روى بسنده إلى عمرو بن أبي سلمة ربيب النبي قال: لما نزلت هذه الآية على النبي {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}في بيت أم سَلَمة فدعا فاطمة وحسنًا وحُسينًا فجللهم بكسا وعليّ خلف ظهره فجلله بكسا ثمَّ قال( اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا). قالت أم سَلَمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنتِ على مكانك وأنت على خير.

وسأناقش مدلول هذا الحديث على ضوء القواعد المنهجية التي أشرت إليها سلفاً من عدة زوايا:

 أ- أقول هذا الحديث (حديث الكسا) ورد في سياق تفسير قوله تعالى في القرآن: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، وبعض علماء أهل السنة من ذوي المنهجية الجزئية قَبِلَ هذا الحديث على قاعدة تفسير القرآن بالسنة وهذه القاعدة صحيحة لكن ما ينبغي التنبه له أن المفسر قد يفسر القرآن بالسنة إذا كان نص الحديث موافقاً للنص القرآني لا معارضاً له لا سيما إذا كانت دلالة متن النص القرآني قطعية لا ظنية، أما إذا تعارض الحديث مع متن النص القرآني فعندئذ نعمل بالقاعدة الأصولية المشار إليها (قاعدة التعارض والترجيح) أي عندما يتعارض حديث الرسول (ص) الظني السند مع النص القرآني القطعي السند والدلالة فنحاول التوفيق بين النصين المتعارضين ولو إستدعى الأمر أن نغلّب المفهوم المرجوح للحديث على المفهوم الراجح فإذا لم نستطع التوفيق يرد الحديث لأنه ليس كل حديث صحيح السند صحيح المتن كما قرر ذلك علماء الأصول كالشاطبي والإمام مالك الذي كان يقدم عمل أهل المدينة على الحديث الآحادي الظني الصحيح وكالإمام البخاري الذي أورد حديث رد عائشة للحديث الصحيح السند المرتبك المتن (إن الميت ليعذب ببكاء أهله).

والمفسر المتدبر للآية المتعلقة بأهل البيت وتطهيرهم سيجدها خاصة بنساء النبي نصاً ومضموناً بحيث لا يمكن أن يدرج في مفهوم الآية أي رجل لاعتبارات تتعلق بسياق الآية ومضمونها ولنتدبر معنى هذه الآيات في قوله تعالى في سورة الأحزاب (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً{32} وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{33} وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً{34}).

إن المتدبر لمتن هاتين الآيتين سيدرك بوضوح أن الآية وردت في سياق نساء النبي خاصة بصريح القرآن والنداء موجه لنساء النبي (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء) ومضمون الآيتين كله في سياق نساء النبي (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً{32} وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى).

وبهذا يتضح أن متن الآيتين القرآنيتين متعلق بنساء النبي (ص) بدلالة قطعية يفهمها طالب في الصف الثالث إعدادي فضلاً عن عالم مجتهد ، وهذا الرأي هو المشهور عن إبن عباس كما جاء في تفسير إبن كثير.

وليس ذلك فحسب بل أستطيع القول بأن هذا السياق القرآني لا يمكن أن يدخل فيه أحد غير نساء النبي (ص) بصورة خاصة والسبب أنه كما يقول علماء الأصول بأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.

فسياق الآيتين أوجب على نساء النبي تكاليف وأحكام إضافية (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء) هذه الأحكام والتكاليف هي:

- فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ.

- وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ.

- وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.

ثم أوردت الآية علة هذه الأحكام والتكاليف بقوله تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{33})، فعلى هذا الأساس (الحكم يدور مع العلة) لا يمكن إدخال أحد من الرجال في سياق قوله تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) إلا إذا تم إسناد تلك الأحكام والتكاليف إليهم وهي عدم الخضوع بالقول والقرار في البيت وعدم التبرج وهذا أمر مستحيل لأن هذه التكاليف التي دارت عليها العلة منوطة بالنساء لا بالرجال.

وبهذا نخلص بأن متن هاتين الآيتين قطعي الدلالة بأن المقصود بأهل البيت هنا نساء النبي خاصة.

وفي هذا السياق يمكننا القول بأن حديث الكسا قد عارض وخالف صريح الآيات القرآنية في سورة الأحزاب عندما أخرج الحديث نساء النبي من سياق هذه الآية (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{33}) مع أن ما قبل هذا السياق وبعده يتحدث عن نساء النبي على النحو الذي أوضحته.

ومن هذه الزاوية يمكننا القول بأن هذا الحديث وإن صحّ سنده إلا أن متنه يعارض القرآن فيكون حال هذا الحديث كحال الحديث الذي ردّته عائشة رضي الله عنها (إن الميت ليعذب ببكاء أهله) لمخالفته لصريح قوله تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

ولو جاء الحديث منفرداً غير متعلق بهذه الآية لأمكن تطبيق هذه القاعدة الأصولية (مبدأ التعارض والترجيح).

ب- بعد أن أوضحت تعارض هذا الحديث مع نص القرآن المتعلق بالآية (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{33}) نقول بأن هذا الحديث يتعارض مع السياق المحكم لمفهوم أهل وآل البيت في القرآن والذي طرقناه من عدة زوايا على النحو السالف.

ج- كما أن حديث الكسا يتعارض مع نص قرآني متعلق باللباس والكسا في قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }الأعراف26، فصريح هذه الآية دل على وجود لباس وكسا (طيني جسدي) (لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً) ولباس وكسا ديني (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ).

وبهذا يتضح أن من يفسرون القرآن باللباس والكسا العنصري (لباس الجسد والطين) يعارضون صريح القرآن الذي يؤكد أن كسا ولباس الدين والتقوى هو خير، وهذا تعزيز لمفهوم أهل البيت وآل البيت بمفهوم الدين لا الطين بمنطلقاته الإنسانية لا العنصرية الشيطانية.

(2) حديث العترة:

قال رسول الله (ص): (وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي) حديث صحيح (السلسلة الصحيحة للألباني)

هذا الحديث أيضاً من الأحاديث التي إستغلها الشيعة في مرويات أهل السنة وفسروا الإسلام تفسيراً عنصرياً بموجبه، ولبيان معنى هذا الحديث أقول: إن العالم المُلم بالشريعة الغراء مقاصداً وكليات وجزئيات ومحكمات ومتشابهات وعاماً وخاصاً ومجملاً ومقيداً عندما يقف أمام هذا الحديث يجب أن يكون في ذهنه كافة القواعد المنهجية التي أشرنا إليها في بداية المقال وهو عندما يسبر غور هذا الحديث وفق تلك القواعد ويقف أمام حديث للرسول (ص) كمثل هذا الحديث يفترض فيه ألا يتوقف عند دلالة الحديث ويستنبط منه معنى يعارض المعاني المحكمة التي سبق إيرادها بل يعتبر دلالة هذا الحديث الفرعي متشابهة ، ثم يقوم بعرض هذا الحديث على المحكم من المعاني عملاً بقوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ).

وقد أشار علماء التفسير أنه عندما تبرز دلالة متشابهة فيتوجب الرد إلى المحكم أي الأصل لأن منشأ الإشكال عند البعض هو النظرة الجزئية للنصوص وكأن كل نص موضوع مستقل في حين أن المنهجية الصحيحة هو التفسير الموضوعي لكافة النصوص المتعلقة بالموضوع مع التمييز بين الأصل والفرع في الموضوع الواحد والمحكم والمتشابه، وصدق الله العظيم القائل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء }إبراهيم24، فأصل الموضوع كجذر الشجرة التي يعطيها الثبات والتماسك وفرعها لا يثبت إلا إذا كان الأصل ثابت، وما أشرنا إليه من محكمات وأصول في هذا الموضوع (نسب الطين ونسب الدين – قصة نوح ومفهوم الأهل في القرآن – مفهوم الآل في القرآن بأنهم الأتباع – وحدة الأصل البشري (قصة آدم) ....الخ) هي الأصول المحكمة الحاكمة لأن القرآن مقدم في الإعتبار ويجب أن يفهم هذا الحديث في ضوءها مالم فيرد، والعالم عندما يسير وفق هذه المنهجية المحكمة سيسبر غور هذا الحديث كالتالي:

معنى قوله (ص): (وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي):

1- على ضوء القواعد المنهجية السالفة اتضح أن القرآن قد فرق بين نسب الطين ونسب الدين وجعل نسب الدين فوق نسب الطين وبالتالي استخدم كل المفردات اللغوية الدالة على نسب الطين في سياق نسب الدين مثل كلمة (أخ) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ، وكلمة (أب) (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، (الأمهات): (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ، (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)...الخ، وبالتالي فالحديث استخدم كلمة عترة ثم فسّر العترة بأنهم أهل البيت (وعترتي أهل بيتي) وعليه فإن معنى العترة وأهل البيت في هذا الحديث هم المؤمنون وليس بني هاشم ويتعزز هذا الفهم بقول الرسول (ص) في نفس الحديث (وأنا ولي كل مؤمن) وعلى ضوء هذا الفهم تنتفي الإشكالية من الحديث ولا يفهم فهماً عنصرياً سلالياً طاغوتياً إستكبارياً يقسم الناس إلى سادة وعبيد لأن هذا الفهم يضرب مقاصد الإسلام وكلياته.

2- وعلى ضوء هذا الفهم سيكون معنى الحديث هو الإشارة إلى الإجماع أو الشورى لقول الرسول (ص) (لا تجمع أمتي على ضلالة).

3- وإذا أدركنا أن هناك روايتان: رواية تقول (كتاب الله وسنتي) ورواية تقول (كتاب الله وعترتي) فستكون دلالة الحديثين هي الإشارة إلى مصادر التشريع المعروفة في كتب الأصول (القرآن – السنة – الإجماع أو الشورى)، وبهذا الفهم لا نجد أي إشكالية في فهم الحديث.

4- ويتعزز هذا الفهم لمعنى الثقلين في الحديث والعترة أهل البيت بأنهما (وحي السماء كتاباً وسنة) (والإجماع والشورى) بما ورد في القرآن من تأكيد بأن مدار أمر المسلمين يقوم على أصلين هما:

أ‌- الشريعة الإسلامية (قرآن وسنة)

ب‌- الشورى

أما الدليل بأن الشريعة هي الأصل الأول والثقل الأول الذي يقوم عليه أمر المسلمين قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}الجاثية18، فصريح هذه الآية قد إعتبر الشريعة هي مدار الأمر الواجبة الإتباع.

وأما الدليل القرآني الذي إعتبر الشورى الأصل الثاني والثقل الثاني الذي يدور عليه أمر المسلمين هو قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، فالنص القرآني هنا صريح الدلالة أن أمر المسلمين من بعد الشريعة يعود إلى الشورى.

إذاً فالثقلان كتاب الله والعترة هما (الشريعة – والشورى).

5- لو إفترضنا أن المقصود بالحديث هنا (أهل البيت والعترة) بني هاشم لتصادم هذا الفهم مع كافة المعاني المحكمة التي أشرت إليها سلفاً، وحكم هذا التعارض إذا لم نجد لهذا الحديث تأويلاً ينسجم مع المعاني المحكمة الواردة في هذا السياق هو رد الحديث على قاعدة عرض الحديث على القرآن لقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}النساء82، فهذه الآية قررت توافق وحي السماء كتاباً وسنة وجعلت من إختلاف النصوص والتعارض دلالة على أنها من عند غير الله، وعلى ضوء هذا الدليل أقول لأهل السنة الذين ضعفوا حديث رد السنة إلى القرآن بأن هذه آية لرد السنة إلى القرآن وليس حديث ولأن القرآن قطعي سنداً والسنة ظنية فيجب عرضها على القرآن فإذا إختلفت مع القرآن وتعارضت أدركنا أن هذا الحديث من عند غير الله ورسوله أي حديث موضوع وإن كان سنده صحيح.

6- كما أننا لو إفترضنا أن المقصود بالعترة بني هاشم فإلى جوار مصادمة هذا الفهم للمعاني المحكمة القرآنية الواردة بهذا الصدد على النحو الذي أسلفت فإننا من زاوية أخرى إذا إفترضنا أن المقصود بني هاشم من العترة والآل سنجد أنفسنا في إشكالية في تطبيق هذا الفهم في الواقع لأن بني هاشم منهم المؤمن والكافر ومنهم السني والشيعي وهم موزعون بين السنة شوافع وحنابلة وأحناف ومالكية وموزعون بين الشيعة زيدية وإثنا عشرية واسماعيلية وبهائية ...الخ، وهنا سيبرز السؤال: من المقصود ببني هاشم؟ السنة أم الشيعة؟ وإذا كانوا في السنة فأي مذهب؟ وإن كانوا في الشيعة فأي مذهب؟ وبهذا نخلص أنه يستحيل تطبيق الفهم العنصري لهذا الحديث في الواقع.

(3) قوله تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى):

فنقول إبتداء يجب أن لا نفهم هذه الآية المتشابهة إلا في ضوء المعاني المحكمة القرآنية السالفة الذكر عملاً بقاعدة رد المتشابه إلى المحكم.

وعلى هذا الأساس فالقرابة هنا تحمل على قرابة الدين وليس على قرابة الطين ويتعزز هذا الفهم بمنهجية تفسير القرآن بالقرآن بقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }المجادلة22، فصريح هذه الآية نفى المودة عن الأقارب طيناً أباً وإبناً وأخوة وعشيرةً وأثبتها ديناً (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ).

فهذه دلالة قطعية قرآنية على أن المودة لا تكون لقرابة الطين وإنما لقرابة الدين.

والله الهادي إلى سواء السبيل؛؛


في الجمعة 08 أكتوبر-تشرين الأول 2010 03:33:43 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=8073