قصة ضياع البنك الصناعي
محمد الحكيمي
محمد الحكيمي

الحديث عن دعم الصناعة الوطنية، يعني العودة للخلف بخطوتان للعثور على نقطة انطلاق صحيحة .. وهذه حقيقة لا تحدث إلا في اليمن ؛ باعتباره بلداً يحرص على استدعاء الماضي بأدواته الملهمة للمستقبل. ولعل هذا الأمر يبدو حاضرُ تماماً في ما أكتشفته الحكومة اليوم ، بعد أن أعلنت موته قبل قرابة 11 عاماً .

قبل ثلاثة عقود ونصف تم إنشاء البنك الصناعي اليمني وفقاً لذلك القانون الذي اصدر العام 1976، بهدف تشجيع الاستثمارات الصناعية الجديدة؛والمساعدة في تطوير المشاريع القائمة وتوسيعها ؛ بما في ذلك الصناعات الصغيرة والحرفية ؛ بيد أن ذلك كله لم يعد قائماً، نتيجة ذلك القرار الذي اتخذته حكومة الدكتور عبد الكريم الارياني ، حين أقدمت على تصفية البنك الصناعي مطلع العام 1999. تحت مبرر افلاسه ،نتيجة اقراضه لشركات ومستثمرين غير موثوق بهم. ولعل ما حدث يبدو كقصة افلاس أحد البنوك التجارية في العام 2006وهو:البنك الوطني للتجارة والاستثمار .

لم يتضرر الكثير من الناس في افلاس البنك الصناعي ، كما حدث للمودعين في البنك الوطني ، كان الخاسر الأكبر هي الصناعة المحلية. فالقطاع الصناعي و منذ بداية تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي العام 1996، يعاني الكثير من الاهمال والهجر. ولم يعد يحظى بنصيب من موازنة الدولة، حتى المستثمرون يشعرون بالمخاوف تجاه الاستثمار في هذا القطاع الذي ليس لدية مؤسسة تمويل وطنية .

ماذا لو تم التفكير بعمق بقرار تصفية البنك الصناعي بعد النظر لما كان يقوم به ، لربما سيتضح أن ذلك القرار لم يكن صائباً على الاطلاق كونه كان قراراً سياسياً أكثر من كونه قرار اقتصادي. فبقاء البنك بتعثر كان يمكن تفاديه، لكن نسفه سبب كارثة لا يمكن تفاديها إلا باعادتة من جديد. لنفترض مثلاً أن تلك الحكومة لم تكن تعي آنذاك أهمية تقديم القروض الميسرة للمشاريع الصناعية من قبل بنك مملوك للدولة وللقطاع الخاص، لربما اكتشفت أنها نظرت بنوع من اللامسئولية تجاه وظيفة المساهمة التي قام بها ذلك البنك مع رؤوس أموال المشاريع الصناعية وهو ما تحتاجه بيئة الاستثمار اليوم .

لكن حكومة العام 99 بدت غير مكترثة تماماً في استيعاب ذلك كله ، بما فيه مسألة تقديم الكفالات للصناعات الوطنية لتسهيل حصولها على التمويل؛وهو ما كان يقوم به البنك كبقية بنوك الصناعة في دول العالم التي تحرص على دعم صناعاتها. غير ان النتيجة التي توصلت إليها الحكومة كانت غير منطقية في التخطيط .

انظروا الى ما تقوله واحدة فقط من الاحصائيات الرسمية التي سجلت المشاريع الصناعية في قائمة الاستثمارات المتعثرة حالياً ، جاء في الاحصائية أن 60 مصنعاً ومشروعاً صناعياً مايزال متعثراً منذ العام 1992، معظم هذه المصانع توقفت نتيجة التمويل بالاضافة الى مشكلة الارض والكهرباء وغيرها. ولعل هذه الاحصائية لوحدها كفيلة باقناع الجميع بأن البنك الصناعي الذي كنا نملكه ؛ كان بمثابة المصدر المتخصص للتمويل الصناعي في البلاد ؛ ولعل الاهم انه استطاع منذ بدء نشاطه التمويلي وحتى تصفيته ،القيام بمنح قروض جيدة لأكثر من 311 مشروعاً استثمارياً صناعياً وحرفياً ؛ لدرجة أن قيمة القروض التي قدمها البنك في العشر السنوات الأخيره لبقائه،تجاوزت أكثر من 600 مليون ريال .

ماذا لو أن تلك الحكومة تريثت قليلا ًقبل سعيها لتصفية البنك ؛ ونظرت بنوع من التشجيع الى سجل انجازاته ؛ لربما كان سيتأكد لها أن هذه المؤسسة التمويلية ، استطاعت تحفيز كل تلك القروض التي منحت استثمارات إجمالية تجاوزت مبلغ الثلاثة مليارات ريال حتى نهاية العام 98. الفائدة الحقيقية تكمن في أن قروض ذلك البنك ساعدت على توفير فرص عمل لأكثر من 8000 عامل وعاملة في اليمن .

ما هو محبط هو أن الحكومة حينها تجاهلت التقارير التي كانت تتحدث عن نشاط البنك الصناعي ، وبالعودة لبعض تلك التقارير يتضح أن قاعدة الإنتاج الصناعي اتسعت آنذاك ، الأمر الذي قاد المنتجات المحلية لتحل محل عدد كبير من السلع المستوردة ، حتى أن الصناعات المحلية بدأت حينها بالنمو بنوع من الثقة، لرفد قائمة الصادرات اليمنية ، هذه الصناعات رفدت الخزينة العامة للدولة بايرادات فاقت 10 مليارات ريال؛ من خلال عوائد ضرائب كسب العمل والإنتاج والأرباح. كان ذلك البنك براس مال 100 مليون ريال ؛ تم تقسيمه الى مليون سهم، قيمة كل سهم فيه 100 ريال ، لكن ما هو أهم من ذلك هو أن رأس المال كانت الدولة مشاركة فيه بـنسبة70% ، والقطاع الخاص بنسبة 30% . ولو نظرنا الى هذه الشراكة بمقياس اليوم سنجد انها كانت مكسباً لقيمة خلاقة بين شريكي التنمية والاستثمار في اليمن. باعتبار انها الشراكة الوحيدة التي تمت بين الحكومة والقطاع الخاص، لكنها اليوم اضحت مفقودة حتى تحولت الى صراع دائم لا توقفه اية تسوية حتى ولو كانت تسوية ضريبة المبيعات .

لنترك موضوع الشراكة المستحيلة الآن .. فأحد التجار المساهمين في ذلك البنك آنذاك يروي بالقول : أن رأس المال الإجمالي كان قد وصل في أزهى فتراته لقرابة مليون دولار أميركي، لكنه تراجع في عقده الأخير الى قرابة 97 مليون ريال ، كونه ومنذ العام 90 حتى العام 99، لم يحصل على أي موارد جديدة؛ نظراً للاهمال الرسمي. وهو ما تسبب ببروز الفساد فيه .

تخيلوا أن بنكاً تسببت بضياعه الحكومة ؛ استطاع خلال الـ20 سنة من عمره الاسهام بشكل مؤثر في نمو الناتج المحلي الإجمالي بصورة لافتة. كان ذلك النجاح يكمن في مساهمته المرتبطة بازدهار مشاريع الصناعات الصغيرة والمتوسطة ، الأمر الذي دفع بحجم مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الاجمالي من 2% أوائل السبعينيات ، إلى 28% مطلع التسعينيات، وكل هذا الاسهام تلخص فقط بتمويل دراسات جدوى لـعدد 55 مشروعاً استثمارياً .

الخسارة الفادحة التي يمكن إلتقاطها اليوم هي أن مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الاجمالي أضحت رديئة جداً ومخيبة للآمال،كونها تأتي طبقاً لأحدث التقارير الرسمية بنسبة 5% ؛ وهذه كارثة تبقي الصناعة بلا طموح .

وما هو قائم الآن هجر واضح لدعم الصناعة لا تعرف اسبابه، فالحكومة انسحبت تماماً من القطاع الصناعي دون ان توفر متطلبات الاستثمار في هذا القطاع، وهو انسحاب غير مدروس تسبب بإعاقة ذلك الطموح الذي يحلم في أن نصبح بلداً صاعداً لديه صناعة حقيقية .

بالنسبة لوزير الصناعة الدكتور يحي المتوكل فان المشكلة تكمن في القانون الصناعي الذي يعود الى السبيعنات، في حين ان الاستراتيجية التصنيعية تعود الى التسعينات. وما يقوله الوزير يبدو وكأن الصناعة ما تزال بلا قانون.وهو ما جعل من وزارة الصناعة تتحرك نحو إعداد مشروع قانون للصناعة مع استراتيجية تصنيعية تلائم التطورات ليتم عرضه على البرلمان والشورى. وهي خطوة ستتخذ لها طريق طويل طويل كي تتحقق .

الواضح أنه يجري الحديث اليوم وفق تخبط حكومي عن إعادة انشاء ما تم تصفيتة. لمجرد أن الحكومة الحالية رفعت شعاراً ما يزال يوقعها في حرج كبير أمام المستثمرين الأجانب ،كونها أدركت أخيراً أن \" الصناعة.. مستقبل اليمن \" وهو ما تبين من خلال إطلاقها لبرنامج \" صنع في اليمن \" في مؤتمرات رسمية عقدتها الحكومة خلال 2007و2009 .

بيد أن ما يسعى إليه القائمون اليوم ؛ ليس أكثر من مجرد إعادة النظر !؟ كونه يأتي بمثابة إعادة الأمور لما كانت عليه في السابق، وبعبارة أخرى : إعادتها الى نصابها الصحيح. فمؤسسة التمويل الدولية التي مولت العديد من المشاريع الصناعية خلال الخمس سنوات الماضية أقنعت الحكومة أن عجلة القطاع الصناعي اليمني؛تسير ببطء شديد منذ ما يزيد عن عقد من الزمان؛ نتيجة افتقار هذا القطاع لبنك تمويلي متخصص يدفع بعجلة الصناعات المحلية المختلفة نحو الأمام؛ويعزز قدرات القطاع الصناعي ، وطبقاً لخبراء مؤسسة التمويل الدولية فإن صعوبة الحصول على تمويل في اليمن أضحى متجاوزاً دولاً منخفضة في هذا الشأن؛رغم أن الودائع في النظام المصرفي تحقق ارتفاعا يسيراً من عام لآخر.لكن المشكلة هو أن البنوك المحلية غير راغبة في تمويل هذا القطاع الإنتاجي .

وبالعودة مجدداً الى انجاز الحكومة بالأمس في تصفية البنك الصناعي ، نجد أن الحكومة الحالية اكتشف أخيراً فداحة ذلك القرار بعد مرور 10 سنوات، الأمر الذي يبين حجم تباين التخطيط الاستراتيجي وعبثيته من حكومة لأخرى. فبدلاً من اتخاذ ذلك القرار بتصفية البنك ، كان من المفترض أن تعزز تلك الحكومة موقفه المالي ، وتعمل على إيجاد إدارة بديلة تتسم بالكفاءة والقدرة على النهوض به. لكن ما هو مؤكد في حادثة كهذه ؛ هوأن السياسة الحكومية قائمة على نسف الأولويات بين كل حكومة واخرى،دون مراعاة الفائدة ، أوالضرر العام .

إذاً .. يتعين على الحكومة اليوم إعادة ذلك البنك كضرورة وطنية ،لاعادة الثقة في القطاع الصناعي الهش الذي تركته دون رعاية؛حتى اضحت مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي متدنية ومعيبة للغاية .

وفي حال تنفيذ قرار المجلس الاقتصادي الاعلى الذي أصدر مؤخرا قراراً يفضي باعادة البنك الصناعي للحياة من جديدً، سيبقى الرهان على مدى قدرة هذا البنك الجديد على تشجيع رؤوس الأموال المحلية والأجنبية ؛وتبني إصدار أسهم وسندات خاصة بالمشاريع الصناعية ؛وتقديم كفالات وضمانات قروض ودراسات جدوى واستشارات، كما كان يفعل البنك القديم الذي فقدناه. وليس اقل من ذلك .

hakimi.press@gmail.com


في السبت 02 أكتوبر-تشرين الأول 2010 05:35:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=8036