الموت والاكتمال
علي قاسم غالب الزبيدي
علي قاسم غالب الزبيدي

ارتبط الموت بالاكتمال ارتباطا وثيقا، حتى يمكن تعريف أحدهما بالآخر والأذهان لا تدرك هذا الترابط، ولا تعي أبعاده وأهميته ومعناه، لأنها تكون على أي حال مأخوذة بالحياة شأنها في كل أحوالها، وقد أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم فجع بموت الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الارتباط وكان أكثر الناس غير المصدقين لموت النبي صلى الله عليه وسلم ، أدرك حين تزامن نزول آخر القرآن مع اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم:" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"، والارتباط هنا يقترن بالنعمة، وقد يقترن الارتباط بالعذاب والاستدراج قال تعالى:" حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة"، وفهم الارتباط يتطلب إدراكا من أولى الفهم، فهو لا يسعف كل ذي فهم؛ فقد فهم عبد الملك برن مروان يوم دعت له المرأة بعدة دعوات منها: وأتم الله لك الأمر، فقال أرأيتموها دعت لي أم دعت علي ، قالوا ما رأيناها إلا دعت لك، فقال: بل دعت علي بزوال ملكي ألا ترون ما قال الشاعر:

إذا تم أمر بدا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم

وقد قيل وعظا عن الموت والتمام أو الاكتمال:

لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

كما قيل في المعنى السابق، وارتباط الاكتمال بالموت:

لكل ملك علامات فلما علا مات

والاكتمال أو التمام قد يكون في العمر وانتهاء الأجل وقد يكون بالنعمة ووصول المرء مستوى من الرخاء وقد يكون بانتهاء الطموح ووصوله وقد يكون باكتمال الجاه وهكذا...،

 و ذكر الموت في الذهن يستدعي معه حقيقة أزلية مطلقة غير قابلة للشك وهي أن الموت حق على كل نفس، وقوله تعالى:" كل نفس ذائقة الموت"العنكبوت، الآية57، يمثل هذه الحقيقة وينطق بها،

 وتعد حقيقة الموت إحدى القضايا المصيرية للإنسان تجعل ما عداها من القضايا استثناء، ومع الحديث عن الموت يرد الحديث عن الموت شيئا محتوما وما يصحب مجيئه من آلام وسكرات وطريقة مجيئه وأسلوب المباغتة الذي ينتهجه، ثلاثة أمور تلتصق بالموت كحقيقة مطلقة التصاقا وثيقا وقد عبر القرآن الكريم عنها من باب الإنذار والتحذير؛ إذ لا مجال للتهديد بمسألة الموت لأنه ليس عقابا ولا جزاء إنما هو حتمية، لكنها غامضة وغير معروفة في ملابسات حدوثها، و( من الطبيعة المتناقضة للموت أنه يجمع بين "اليقين" و"عدم اليقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت لكني لا أعرف مطلقا متى سيكون ذلك، أو كما قال بسكال بحق" أن كل ما أعرفه هو أنه لابد لي أن أموت عما قريب، ولكني لا أجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان!"..)( )، وربما لا تختلف الرؤى كما في النص السابق بين الشرق والغرب تجاه الموت وإن اختلفت عن اعتبار الموت النهاية أم مرحلة، وكونه واعظا لتقويم السلوك، قال تعالى: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ الأنبياء35، الآية تبدأ ب "كل" لتدل على العموم والشمول لما بعدها، ( وقد استعير الذوق لمطلق الإحساس الباطني لأن الذوق إحساس باللسان يقارنه ازدراد إلى الباطن وذوق الموت ذوق آلام مقدماته وأما بعد حصوله فلا إحساس للجسد، والمراد بالنفس النفوس الحالة في الأجساد كالإنسان والحيوان ولا يدخل فيه الملائكة لأن إطلاق النفوس عليهم غير متعارف في العربية بل هو اصطلاح الحكماء وهو لا يطلق عندهم إلا مقيدا بوصف المجردات)( )، الآية الآنفة إخبار بحدوث مفارقة الحياة لكل نفس سكنت بدنا يتمتع بحياة محسوسة ومرئية، والإخبار عن الكل (فالموت قضية كونية عامة، وهي في حقيقتها خير، فإن كانوا أخيارا يُعجل لهم جزاءهم عند الله، وإن كانوا أشرارا فقد أراح الله منهم البلاد والعباد..والمراد بالتذوق هو ذائقة مقدمات الموت، التي يعرف بها أنه ميت)( )، ووجه الترهيب _في اعتقاد االكاتب- قائم في ذكر الحتمية التي تشير إليها الآية، وفي ذكر "التذوق" فلم تخبر الآية عن الموت وإنما عن تذوقه وهنا جوهر الترهيب الذي يتمثل في معاناة النفس التي تستعذب تذوق الأشياء في الحياة وبه متعتها؛ إذ يأتي عليها الوقت الذي تتذوق فيه مفارقة هذا الاستعذاب في تذوق الحياة، وما فيها، وفي ذلك مفارقة، مقارنة بطبيعة النفس وتشبثها بالحياة، ويؤكد المعاناة في مواجهة الموت وتذوقه في تأكيد رأي من ذهب إلى أن التذوق في الآية لمقدمات الموت وآلامه، الآية الكريمة قوله عز وجل: " وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ " ق19، ولئن كان في آية الشمول مفاجأة إقرار حقيقة الموت؛ ففي هذه الآية إقرار صراع النفس والموت في شكل سكرات يعانيها المحتضر، ( في الآية وجهان من التأويل؛ أحدهما: وجاءت سكرة الموت- وهي شدته وغلبته على فهم الإنسان كالسكرة من النوم أو الشراب- بالحق من أمر الآخرة فتبينه الإنسان حتى تثبته وعرفه، والثاني: وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت)( )، وصيغة الماضي التي تخبر عن مجيء سكرة الموت لإحداث الرهبة من حدوثه؛ فكأن السامع يلاقيه وجها لوجه، (وإنما خولف التعبير في المعطوف بصيغة الماضي دون صيغة المضارع التي صيغ بها المعطوف عليه لأنه لقربه صار بمنزلة ما حصل قصدا لإدخال الروع في نفوس المشركين)( ) ويذهب –أيضا – ابن عاشور في تفسيره إلى تأكيد معنى مباشر للسكرة من حيث الألم؛ حين يرى أن( المجيء مجاز في الحصول والاعتراء وفي هذه الاستعارة تهويل لحالة احتضار الإنسان وشعوره بأنه مفارق الحياة التي ألفها وتعلق قلبه بها. والسكرة اسم لما يعتري الإنسان من ألم أو اختلال في المزاج يحجب من إدراك العقل فيختل الإدراك ويعتري العقل غيبوبة.)( ) وقد ربط الزمخشري ذهاب العقل وتسمية الاحتضار سكرة بشدة ما يلاقيه المحتضر؛ فهي شدة تذهب بالعقل، واعتبر الحق هو الله في الآية؛ فقد أضيفت السكرة إلى الحق أي إلى الله تفظيعا لشأنها وتهويلا()، فالتركيب واختيار المفردات في الآية لتأدية هذا الدور الدلالي من التأثير قصدا إلى التنبيه .

 إن الموت حقيقة لا تقبل جدلا وما رافق مجيئه كذلك من ألم بفعل الواقع لحالات الاحتضار وبما أُخبر عنه، ويبقى مجهول الموعد، لكن القرآن الكريم يحدد زمنا يمكن أن يقع فيه الموت أو تحديدا حالة يحدث فيها الموت هي أشبه بالموت أو هي موت أولي يقول تعالى: " اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "الزمر42، وقد اقترن النوم بالموت في الفهوم، لقد استخدم النوم على أنه أخ توأم للموت، وأكدت الديانات السماوية تلك الرؤية؛ فللموت أهمية مركزية في كل ديانة( )، وكذلك له تصور مختلف لدى كل شعب من الشعوب، تحدد معالمه الديانة والثقافة، وفي التصور الإسلامي الموت جسر من مرحلة للعبور الى مرحلة أخرى، والإنسان المسلم يعايشه بمثيله الذي يعتبره واعظا له، انطلاقا من إيمانه بحتمية هذا المصير عروجا إلى مصير آخر وخلود حقيقي، وتكاد تتفق التصورات في الفهم الإسلامي لتفسير الموت والنوم وعملية الوفاة التي تتم أثناء هذا الأخير، فمن ذلك تفسير القرطبي ( قوله تعالى: " والتي لم تمت في منامها" اختلف فيه. فقيل يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها" فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى" وهي النائمة، فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها؛ قاله ابن عيسى. وقال الفراء: المعنى: ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها.قال: وقد يكون توفيها نومها؛ فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها)( )، ويختلف عن هذا الرأي تفسير الزمخشري بقوله: ( يتوفى الأنفس يستوفيها ويقضيها، وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وهي أنفس التمييز. قالوا: فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة؛ لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس..)( )، ويؤيد التفسيرين السابقين على وجود تغاير بينهما تفسير أبو حيان الأندلسي بقوله: ( (يتوفى الأنفس) يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي يكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها وهي أنفس التمييز...وكون النفس تقبض والروح في الجسد حالة النوم بدليل أنه يتقلب ويتنفس وهو قول الأكثرين، ودل على التغاير وكونها شيئا واحدا هو قول ابن جبير وأحد قولي ابن عباس..)( )، هذه الأقوال هي تبيان لطبيعة الوفاة في حالة مشابهة للموت وهي النوم، وما يهم فيها هو عنصر الترهيب الذي يسلب النفس استقرارها في أعلى لحظات استقرارها وأكثرها أمانا للجسد، وإن كانت هي حياة مختلفة عما قبل النوم عند أولي الألباب، لكن الانغماس في الحياة لا يترك لصاحبه لبا ولا تفكيرا. هذه الآية تقود ذوي النُهى إلى التنبه لمآل النفس في لحظات غير المتوقع رحيلها، وبالتالي وجبت –هنا الحيطة- والاستعداد في كل وقت، وأهمه وقت الاختلاف من حياة الصحو والحركة إلى حياة النوم التي قد تكون هي الموت.

 ومع كون الموت حقيقة مطلقة إلا أن تعامل الإنسان معها كحقيقة ثانوية ، وما يوصله إلى هذا المستوى في التفكير ويسيطر عليه طبعه الذي جبله الله عليه في حب الحياة، حتى وإن اكتمل له ما يريد في حياته يظل في اشتياق وتوق لما هو أكثر وأكثر، وقد يعتبر مداهمة الموت له حتى في حالة اكتمال ما يريد من عمر وصحة وغنى قد يعده ويعتبره غبنا له، وأنه ما أخذ حظه الوافر، وقد يقول قائل هذا في حال الاكتمال لمن تم له ما أراد فكيف بالموت يقطف عمرا في منصفه وصحة في بدايتها ورغبة وطموحا في أوله، والجواب أن ذلك اكتمال في الأجل وتمام فيما قضاه الله، لمن كتب عليه الموت في هذه الحال، ولعله يعوض في الآخرة إن أحسن العمل، فيسبقه النعيم والجزاء.

 ويرتبط كذلك بالموت من جانب آخر أمران: المر الأول يخص المكتوب عليه الموت وهو تفكيره في قطع الموت لكل ترتيباته فهل، يتوقف ؟ وهو لو توقف فقد مات موتا سريريا لأن المطلوب منا أن نعمل ونعيش بالأمل، وأن نواجه الموت بالاستعداد المثمر لا بالخوف المعطل، أما الأمر الثاني فهو من جانب أهل وذوي وأحبة من يكتب عليه الموت وهو إحساسهم بالفقد، وذلك أمر طبيعي والنسيان كفيل بعلاج آلام الحزن والأيام كذلك تعفي ما قبلها، لكن الحزن الحقيقي في الإحساس الطاغي بخلو الحياة ممن كانوا يرسمون معالم الحياة ويشكلون بوجودهم – على المستوى الشخصي والعام- جزءا كبيرا من جمالها، فرحيلهم في مثل هذه الحال نقصا في شكل الحياة المعتادة والمألوفة، وهذا الشعور نسبي من شخص إلى آخر.

 ويبقى مع إدراك حقيقة الموت وارتباطها بالاكتمال والتمام إدراك مهم، أن الموت يتطلب جانبا نفسيا هو تعلم مواجهته بسرور المغتبط بالاستعداد، وبهجة المتفاخر بالزاد.

ــــ

 / جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، ت/ كمال يوسف حسين، عالم المعرفة،عدد76، 1984م، ص9

2 / الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية، تونس، ط/1984م، ج/7، ص64،63

3 / محمد متولي الشعراوي، تفسير الشعراوي، دار أخبار اليوم، القاهرة، ط1/1995م ج/15، ص9537

4 / أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، ط1/2001م، ج/21، ص 427

5 / تفسير التحرير والتنوير، (مذكور)، ج/21، ص، 305

 6/ تفسه، ص306

7/ انظر، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود- علي محمد معوض، مكتبة العبيكان، الرياض، ط1/1998م، ج/5، ص 598

 8/ انظر، أحمد محمد عبد الخالق، قلق الموت، عالم المعرفة العدد111، مارس 1978م، الكويت، ص39

 9/ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق:عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان، ط1/2006م، ج/8، ص284

10/ جار الله أبو القاسم، الكشاف، المرجع نفسه، ص308

11/ محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي،ت فسير البحر المحيط، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود- علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط 1/1993م، ج/7، ص414

   
في الأحد 20 يونيو-حزيران 2010 04:48:32 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=7378