الرئيس والديمقراطية وحرية الرأي والصحافة
محمد صادق العديني
محمد صادق العديني

الإهداء:إلى..د.الارياني,ا.الإنسي,ا.بورجي,ع.الشاطر,د.العليمي,د.مجور,ا.الارحبي,و...الخ قائمة المستشارين..(الصالحين منهم والطالحين)!!

بداية أود التوضيح على أنني لست من هواة التكرار لكنها الضرورة تستدعي إعادة الحديث، على أمل أن في التكرار و«اللت» و«العجن» ما يفهم الشطار!! وهنا أود أيضا التأكيد مجدداً في المفتتح بأني لست أدري إن كان رئيس الجمهورية اليمنية شخصياً من نوعية الحكام الذين يقرؤون، ويطالعون ما تنشره الصحافة؟!.. أم أنه يعتمد على «قراءة» المحيطين به و«تلخيص» المقربين منه. ويظل في كل الأحوال: لا أسوأ من بطانة فاسدة تحيط بالحاكم إحاطة السوار بالمعصم، فيسلمها قياد أمره وتكون سمعه وبصره ولسانه ومختلف حواسه.. إلا حاكم يحيط نفسه بمستشاري السوء.. ويسخر كل وسائل الترغيب والترهيب لحشد الولاءات، وشراء الضمائر، واستئجار الذمم.. فيقرب «البائعين» منه، ويحولهم، بعد أن ينجح في أفسادهم - إلى بطانة تسترزق من قربه.. وتزين له أخطاءه.. لتوافق هواه.. فتكثر عثراته.. وتعدم أعذاره.. فيصبح من الخاتمة المأساوية أقرب! مع هذا سأكتب هنا ما أظنه واجباً عليَّ، مجدداً النصح، مفترضاً حسن النية وان حاكمنا من نوعية الحكام الذين يقراؤن بأعينهم، أو حتى مؤملاً أن تحدث معجزة فتدفع الصدفة بفخامته إلى قراءة مباشرة لبعض ما ينشر في الصحافة، بذهن صاف وقلب متسامح.. ونفس لا تأخذها العزة بالإثم، أو أن يكون هناك راشد مخلص في الولاء، صادق في النصح - ولو واحد من بين كل ذلك الكم المحيط به والمقرب منه، ربما يقرأ له ولا يكذبه القول والمشورة.

-فالرئيس - وهو صاحب الكلمة الأولى بحكم موقعه سواءً في قمة هرم السلطة التنفيذية أو القضائية أو العسكرية، كان قد تحدث العام 2004 حول توجه أو أهمية وضرورة إلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر الصحافي - وكانت هللت له وطبلت لأصدائه وسائل الإعلام بمختلف أنواعها محلياً وعربياً وخارجياً- بحسب ما نشرته حينها صحافة الحكم - وبعدها لم يجد العالم اجمع في ممارسات أجهزة نظام حكمه من الأمنية إلى القضائية ما يترجم ما جاء في حديثه من «ايجابيات»، حيث زادت حالات الضيق من الرأي وقمع حرية التعبير والصحافة فكان أن,تبعها فخامته,العام الجاري(في مؤتمر نقابة الصحافيين)مارس 2009 بتصريحات,جديدة تحدثت,عن,إلغاء عقوبة الحبس,وإطلاق حق تعدد وتملك وسائط الإعلام ,وبخاصة المرئية والمسموعة,والسماح بحق الحصول على المعلومات ونشرها للرأي العام و...الخ تلك الوعود والعهود!!!

- فمثلت الأعوام التي شهدت تصريحات ووعود فخامة الرئيس بحصادها المر.. أعوام هي الأكثر مأساوية على واقع الحقوق والحريات الصحافية في اليمن، وديمقراطيتها الناشئة.. بل والأكثر سوءاً وسواداً في تاريخ القضاء والديمقراطية واستحقاقات حرية التعبير والصحافة اليمنية سواءً منذ إقرار حق التعدد السياسي والصحافي عقب إعلان وحدة شطري الوطن في مايو 1990. أو مرحلة ما بعد الحرب الأهلية في صيف 94، إذ تعرض الصحافيون وكتاب الرأي لأكبر هجمة تضييق واستهداف بسبب قيامهم بدورهم تجاه قضايا المجتمع.

- ولعل ابرز الضحايا سجين الرأي الزميل فؤاد راشد - المعتقل منذ عدة أشهر - وسط ظروف غير آمنة, والصحافي صلاح السقلدي - المعتقل منذ عدة أسابيع ,وكذلك الصحافي أنيس منصور المشرد في الجبال هربا من حكم يقضي بسجنه أربعة عشرة شهرا,ولا ننسى صحيفة "الأيام" الصحيفة الأهلية المستقلة,والأوسع انتشارا ,والتي تعرضت لسلسلة من الاعتداءات والانتهاكات الصارخة هي وطاقمها التحريري والفني ومراسلوها وموزعوها..توجت بحضر طباعتها وتوزيعها منذ عدة أشهر,إضافة إلى ملاحقة ناشرها ورئيس تحريرها بتهم جنائية خطيرة تصل عقوبتها القانونية حد الإعدام.

-نعم يافخامة الرئيس، وأنت الذي-لا تكل,ولا تمل من التباهي بأنك- تحكم على «رؤوس الثعابين» أو كما تردد,دوما في تصريحاتك ومقابلاتك الإعلامية وكثيرا ما زدت مؤكداً قبولك بالديمقراطية والرأي الآخر الذي كثيراً-أيضا- ما صرح فخامتكم وما زلت متباهياً – أيضا- بارتضائك لها.

-كنا نأمل أن يفتتح سيادة الرئيس القائد و«الزعيم الخالد» بعد عمر طويل، أطال الله في عمره - العام الجديد من عقده الرابع للحكم عهداً جديداً - وهو الذي يحكم منذ ما يزيد عن 31 عاماً من المعجزات الجسام بدأت في 17 يوليو 1978-.

-أقول كنا نأمل أن يكون العام الأول من,العقد الرابع,بداية عهد جديد لفخامته يبدأ بإطلاق سراح صحيفة"الأيام"والإفراج عن الصحافي- المعتقل - فؤاد راشد وإعادة اعتباره ,ووقف تنفيذ الحكم الصادر بسجن أنيس منصور,وكبح جماح وزارة الإعلام وأجهزة الأمن الخاصة.. عهداً جديداً فيه إلغاء فعلي وعملي لعقوبة الحبس في قضايا النشر الصحافي وأي نصوص في القوانين واللوائح والتشريعات تفرض قيوداً وتضع عراقيل أمام حرية العمل الصحافي وحق الحصول على المعلومات ونقلها للرأي العام!! مع إلغاء أجهزة الرقابة في وزارة الإعلام إن لم يكن إلغاء الوزارة نفسها.

- عهداً جديداً يبدأ بتلك الخطوات، ولا ينتهي عند «منح السلطة القضائية الاستقلالية الكاملة والحقيقية بحيث تغدو- بالفعل - ملاذاً لكل المواطنين دون استثناء كسلطة مستقلة وحكم عادل فوق كل السلطات بما فيها السلطتان التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى إخضاع جهاز الأمن السياسي وأجهزة الأمن الخاصة لسلطة القانون والقضاء ومنعها من تجاوز صلاحيات مهام وظيفة عملها.. ومعاقبة المتورطين بجرائم التعدي على الصحافيين وانتهاك الحقوق والحريات الصحافية والديمقراطية.

- ولكن وآه من لكن هذه.. لم يحدث شيء من كل تلك الأماني. بل أن الأوضاع من سيء إلى أسوأ والانتهاكات الصارخة لحقوق وكرامة وآدمية الإنسان اليمني أضحت سياسة معتمدة للبلاد. والأكثر إيلاما أن كثيراً ما استطاعت الأحداث وبخاصة تلك المصحوبة بخطابات وأحاديث لفخامتكم تكون لغتها مشحونة بالضيق من الآخر، سبباً للظهور بما لا يليق بمكانة ومسؤوليات رئيس لأكثر من اثنان وعشرون مليوناً من البشر أو يزيدون قليلاً.

- ربما كان مستشارو السوء وبطانة الانتفاع هي السبب.. ربما.. لكنها وان كانت؛ مأساة محزنة.. إذ أنه ومثلما تنجح البطانة، وكما هي عادتها لا سامحها الله، وهي في الأصل صنيعة الحاكم، في إظهار ولي الأمر بتلك الصور.. تنجح أيضا الممارسات القمعية المصعدة، والأحكام القضائية الصادرة في قضايا النشر الصحفي، في إظهاره بصورة لا تقل سوءاً عن الأولى.

- هذا من جهة، من جانب آخر لا شك أن اثنين لا يختلفان بأن انتهاكات ومضايقات كتلك التي تقترفها - باستمرار - أجهزة الأمن، وعلى رأسها الأمن السياسي والقومي بحق الصحافيين والكتاب، وكذا أحكاماً كهذه التي أصبح القضاء في اليمن يصدرها - دون خجل - على الصحافة والصحافيين وكتاب الرأي.. لا تستهدف «السلطة الرابعة» الصحافة، وحقها المكفول دستورياً - والمطلوب عالمياً - في الانتصار لقضايا المجتمع ومكتسبات الوطن ونقد السياسات الخاطئة وكشف بؤر الفساد ورموزه.. لكنها تستهدف في الدرجة الأولى «النظام الحاكم».. إذ أن إجراءات كالتي نرصد مشاهدها ونكتوي بنيرانها، مشفوعة بأحكام الإدانة القضائية، تضع «نظام الحكم» على حافة هاوية سحيقة، وفي ورطة ومأزق أمام العالم والمجتمع الدولي -وهو ما أصبح مؤخراً يتكرر حدوثه كثيراً من هيئات ومنظمات حقوقية وإنسانية ودول مانحة- كانت - وما تزال- «الحكومة» اليمنية قد تعهدت والتزمت أمامها باحترام وكفالة حقوق الإنسان والحريات العامة، وتنمية الديمقراطية، وضمان حرية الصحافة والتعدد.

-كما أن الاستمرار في غض الطرف أو تشجيع سياسة القمع وانتهاك الحقوق والحريات التي ينتهجها جهازي الأمن السياسي والقومي - المحسوبان على الرئيس شخصياً- يمثل إساءة بالغة لسمعة «نظام الحكم» ويوسع من مساحات الإدانة الدولية حيث أصبحت اليمن في مصاف الدول الحائزة على «النصيب الأوفر» من الإدانات والانتقادات الشديدة، حتى أن أول ترتيب عالمي لحرية الصحافة صنف اليمن في مراتب متأخرة تقع عند ذيل القائمة، وكذلك ورد اسم اليمن ضمن ابرز (14) دولة تنتهك حقوق الإنسان، فضلاً عن تبوؤها مكاناً بارزاً جداً في رأس احدث قائمة بأكثر الدول فساداً!!,و أكثر الدول انتهاكا للحريات الصحافية,وأكثر الدول الغارقة بالفوضى,والمتجهه,هرولة ,باتجاه الانهيار!!

- إن العديد من المنظمات الإنسانية والهيئات الحقوقية المحلية والإقليمية والعالمية,ومنها مركز التأهيل وحماية الحريات الصحافية CTPJF ما زالت تطالب بإلحاح وشدة الحكومة اليمنية أو التي تمثل حزب الرئيس الحاكم، الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها المنصوصة في المواثيق والاتفاقيات والبروتوكولات والعهود الحقوقية الدولية الموقعة والمصادق عليها رسمياً باسم «الجمهورية اليمنية» كدولة طرف عليها حماية حقوق الإنسان بمختلف مفاهيمها ووسائلها، ودعم وحماية حرية الصحافة، وكفالة حرية التعبير واحترامها، وتعزيز البناء المؤسسي للدولة، واستقلالية السلطة القضائية، والتزام المعايير الدولية في السياسات والتشريعات والمعاملات القضائية والمدنية والسياسية ...والى أخر مجالات الحياة بما يترجم التزاماتها تجاه حقوق الإنسان والحريات العامة وعلى رأسها حرية الصحافة باعتبارها ركناً أساسياً في حقوق الإنسان وضماناً لبقية الحريات.

- واني هنا أجدد النصح مخلصاً بأن على الرئيس شخصياً الأخذ في الاعتبار بأن اليمن بكل سياساتها وتشريعاتها وممارساتها، والتزاماتها المنصوصة بروزنامة الوثائق الحقوقية الدولية المصادق عليها- جزء من هذا العالم الذي لم يعد يعترف أو يقبل بأي تراجع أو سياسات تقمع الرأي، وتلغي الآخر، وتصادر الحريات وتقيد الصحافة، وتعيد مظاهر الشمولية.

- ذلك أن المجتمع الدولي بمختلف هيئاته المدنية الحقوقية والديمقراطية سيظل يراقب أي تحولات أو مستجدات في الساحة اليمنية لا تستوعب المتغيرات ولا تراعي حق وحاجة اليمنيين، وفي طليعتهم المثقفين والصحافيين وقادة الرأي إلى منظومة ديمقراطية متكاملة وسياسات تعزز من الحريات، وتحمي أصحاب الرأي من القمع والاستهداف، وتهدف إلى ضمان مساحة أوسع من الحرية والاستقلالية والتعددية، وتسمح فعلياً بتداول سلمي للسلطة كبلد يحتكم وينتهج الديمقراطية التي عنوانها الرئيسي الانتخاب وليس التوريث.

-فهل يتنبه رئيس الجمهورية - وهو الرئيس لكل السلطات والقائد الأعلى لمختلف القوات - إلى مأساوية الخاتمة التي تنتظر عهد رئاسته وسنوات حكمه.. لا قدر الله. تلك الخاتمة التي تشارك اليوم كافة أجهزة ومرافق نظام حكمه في كارثة رسم ملامحها بخطوط دامية... أقول: إنكم يا سيادة الرئيس القائد علي عبدالله صالح صاحب المصلحة الأول والأخير في أن يكتب اسمك بأحرف من نور في انصع صفحات التاريخ كحاكم حقق لشعبه المنجزات.. واحترم أرادة الشعب بمختلف فئاته وشرائحه الاجتماعية والسياسية، لا أن يدون التاريخ اسمك كحاكم مصحوب بصفات وألقاب وخاتمة يشهد الله أننا لا نحبها لك مطلقاً.. اللهم أني قد بلغت..

اللهم فاشهد.

*الرئيس التنفيذي لمركز التأهيل وحماية الحريات الصحافية CTPJF

*رئيس تحرير صحيفة"السلطة الرابعة"

alodaini_ctpjf@hotmail.com

 
في الأربعاء 26 أغسطس-آب 2009 11:34:03 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=5753