النقش في الصغر.. الخط العبري وعبدالله قايد ”الحلقة الأولى“
توفيق السامعي
توفيق السامعي


كنت في سن الثامنة من العمر تقريباً، وفي الصف الأول الإبتدائي، وكان هناك رجل في السبعينيات من العمر ممن أسلم من بقايا اليهود في القرية المجاورة لقريتنا تسمى قرية "الضماجي"، بينما كان أهله وجيرانه قد رحلوا في بساط الريح إلى فلسطين المحتلة في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات.
كانت كثير من قرى وعزل الحجرية مختلطة بعضها الأغلب مسلمون والبعض الآخر وهم القلة "يهودا" قبل أن تأتيهم أشبه ما يكون بالصيحة، أو ما يسمونه بالنداء العام، ليرحل الجميع دون استثناء إلى فلسطين واستيطانها.
يحكي لي والدي -يحفظه الله- أن اليهود كانوا ينذرونهم أنه سيأتي يوم الميعاد؛ يوم يقام لهم فيه دولة وأنهم سيذهبون إلى تلك الدولة ويكونوا يمرون عليهم من فوقهم بالطائرات!
أسلم "مناحيم" وصار اسمه "عبدالله قايد"، وقايد لم يكن أبوه حقيقة وإنما نسبة إلى الشيخ قايد بن محمد العيسائي شيخ سامع -رحمه الله – والذي أسلم على يديه حباً بالبقاء رافضاً مغادرة البلاد إلى فلسطين، وكان إسلامه مخرجاً له من الهجرة.
كان هذا الرجل يتردد على والدي كثيراً، وكان يجدني في أوقات الدراسة والمذاكرة ولم يكن يعرف الأبجدية العربية تقريباً، وقام بتعليمي الخط العبري (اليهودي) الذي فهمت منه بعض الأحرف في بعض الجلسات التي ليتها طالت كثيراً.
أصبح بعدها عبدالله قايد كثير الترحال بين القرى ولم يستقر في مكان، وكنت في شغف من تعلم ذلك الخط أطلب المزيد بيد أن الحظ لم يسعفني كثيراً بسبب ترحاله ثم وفاته لاحقاً.
لم تزل تلك الأحرف الأولى التي سطرها في مخيلتي سبباً موجهاً لدراستي التاريخية وشغفاً بخطوط اللغات السامية القديمة وعلى الأخص خط المسند، لتكون الصدمة والصدفة معاً بعد عامين تماماً من ذلك التاريخ.
ها أنذا في منتصف الصف الثالث الإبتدائي، في مدرسة تقع قرب حصن قديم من حصون اليمن قبل الميلاد اسمه "قرن نعيمة"..مَن نعيمة تلك؟ لا نعرف عنها شيئاً إلا بعد خمس عشرة سنة لتعرف عن نفسها أنها نعيمة العريقية صاحبة نقش سامع المسندي في أسفل جبل سامع.
في ذلك الحصن، وفي رحلة صغيرة وقت الراحة المدرسية بين الحصص ذهبنا إليه بينما كان قائماً بشموخه لما يُهَدَّم بعد، لنقود كطلاب مشاغبين أول رحلة لتخريبه.
بينما كان زميل لي يصرخ مما وجد ليفلتنا إليه، كان حجر أبيض من الرخام (المرمر) يتوسط عتبة باب الحصن من الداخل وعليه خطوط غريبة ورسومات وغصن عنب، قال بعض أصدقائنا من الذين كانوا مبرزين في الدراسة إنها خارطة.
كانت الخرائط المرسومة والمصورة هي منتهى علمنا حينها، بينما أسعفتني الذاكرة بالعودة إلى تلك اللحظة التي كان فيها عبدالله قايد - رحمه الله- ينقش خطوطه بشكل متأنٍ وهادئ وهو يعلمني الحروف العبرية، فقلت لزملائي: هذا خط يهودي!
كانت مناهجنا الدراسية رصينة لا تشبه مناهج اليوم الضعيفة والمتفلتة، وكانت هادفة جداً؛ ففي الصف الخامس الإبتدائي كانوا يعلمونا ما هو خط المسند، وما هي النقوش، وما هي الدول اليمنية التي حكمت اليمن، ولا أزال أتذكر من كتاب التاريخ رسمه المسندي، وبيتاً شهيراً من الشعر ينسب لأسعد الكامل (أب كرب أسعد)، يقول البيت الشعري:
وفي البقعة الخضراء من أرض يحصب ثمانون سداً تقذف الماء سائلا
هذا البيت هو كل ما تبقى لي من أثر تلك المرحلة التي كانت من أفضل مراحل العمر والدراسة والتعليم لجيل الثمانينيات.
قمنا وبعض الزملاء باقتلاع ذلك الحجر من مكانه ورأينا أن نعود به إلى المدرسة ومنحه لمدير المدرسة لكي يسلمه للمتحف في مدينة تعز، لكننا سرنا به قليلاً وكان ثقيلاً علينا فاضطررنا لكسره نصفين؛ نصف رمينا به في حافة الجبل، ونصف أوصلناه للمدير والذي هو بدوره لم يدرك قيمة الحجر فما كان منه إلا أن ألقى به من سيارته في وادي "سربيت"، ولهذا قصة أخرى سأوردها لاحقاً.
بقيت هذه الصورة في ذهني لم تغب حتى بدأت مرحلة الدراسة الجامعية، وكانت هناك مادة مصاحبة لمواد دراستنا (مقرر) هي لغة النقوش اليمنية التي استهوتني أكثر من التخصص العام، وبدأت السير فيها بنهم شديد، وهنا فقط تذكرت تلك المحطة التاريخية (التخريبية) وأردت أن أصلح ما خربناه في طفولتنا فكانت أولى محطاتي للبحث التاريخي مجدداً من تلة ذلك الحصن الذي صرت أشعر به كتوأم روحي فبيننا من العلاقة ما لا يمكن أن تنفصم عراها أبداً.
حينما أدركت القيمة العلمية والتاريخية لأي نقش من النقوش اليمنية صار عندي اكتشاف إحداها أغلى وأثمن وأجل من كنوز الدنيا كلها؛ لأنه سيكون مدخلاً لكثير من المعلومات التاريخية والاجتماعية والسياسية للمكان الذي يكون فيه.
هنا تذكرت أن هذا المكان قديم قدم التاريخ اليمني ليفتح في ذهني صفحات من التساؤلات والبحث عن تاريخ هذه المنطقية المنسية بين شقوق ووهاد أماكنه.
بعد ثلاثة عشر عاماً عدت باحثاً عن ذلك الجزء من النقش الذي رميناه باذلاً في سبيل إيجاده لأصحاب المكان أموالاً طائلة لمن سيجده.
.............................
الحلقة الثانية
النقش في الصغر..الخط العبري وعبدالله قايد!
توفيق السامعي
في خضم رحلة البحث تلك قادتني معلومة مهمة إلى وجود نقش أسفل جبل سامع العام، وعلى الرغم من كل ظروف اللحظة تلك توجهت نحو المكان وأول ما وقعت عيناي عليه لم أصدق من شدة الفرح ما وجدت، ودمعت عيناي يومها.
بين النقش الأول والثاني علاقة كبرى، فصاحبة النقش الأول والحصن هي صاحبة النقش الثاني في أسفل الجبل؛ إنها نعيمة العريقية، وفي النقش (ن ع م ت/ذ ت/ع ر ق ن)، تدون فيه بعض إصلاحاتها الزراعية وإصلاح الطريق وتمهيده المؤدي إلى النقيل وإلى الجبل؛ جبل سامع الذي يقع على قمته حصن سامع الشهير، وكذلك (البيت/المعبد) والذي يسمى و"ادي سربيت" به؛ فالسر هنا معناه (الوادي) في لغة النقوش اليمنية، و(بيت) بمعنى المعبد، ومنه البيت الحرام مثلاً. إذاً فـ"سربيت" هنا بمعنى وادي البيت/وادي المعبد في قمة الجبل.
يعود هذا البيت وحصنه إلى أيام الدولة القتبانية وتحديداً في القرن الخامس قبل الميلاد، فهو وحصن العروس في قمة جبل صبر صنوان لا يفترقان لا صفة ولا مكاناً ولا إنشاءً، وكلا قمتي الجبلين هما أعلى قمتين في تعز كلها، وهما أشد الجبال والحصون تحصيناً، وتداولته كافة الدول المتعاقبة وصولاً إلى الدولة الطاهرية، وقبلها الرسولية والأيوبية التي ينسبه بعض الهواة المتسلقين إلى الطغتكين بن أيوب دون أي تنقيح وتتبع للمعلومات الصحيحة واستقائها من مصادرها والبحث عنها وتتبعها في المصادر الصادقة والتي تأتي على رأسها النقوش القديمة.
صحيح أن الطغتكين بن أيوب اشتهر في اليمن على أنه أكثر الملوك بناءً للحصون وحيازة للقلاع وتجديد ما تهالك منها إلا أنه حل في الحصن ساكناً متملكاً لا بانياً مستحدثاً له، كما فعل في قلعة الدملؤة وقلعة القاهرة اللذين ينسب بعض الكتاب هذه الحصون له.
في هذا الوادي هناك العديد من الآثار ما قبل الميلاد والتاريخ الإسلامي واليمني الوسيط، وأهم معلم فيه هو جامع الوادي "جامع سربيت" والذي يعود تاريخ بنائه لعهد الدولة الرسولية كجامع ومدرسة معاً وهو ما عرفت به الدولة الرسولية من إنشاء المدارس الجامعة، كما هو الحال مدرسة في الشعوبة بين سامع ومنطقة الأحد تعود لعهد الدولة الرسولية وبانيها أحد وزراء الدولة ولا تزال شامخة وشاهدة على العصر إلى اليوم.
كان العام 1996 في شهر مارس على الأرجح، جددت النقش بالطباشير والتقطت له صورة فوتوغرافية وبعد أسبوع من الأجازة طرت بها فرحاً إلى مستشار وزير الثقافة ورئيس الهيئة العامة للآثار والمخطوطات يومها البروفيسور يوسف محمد عبداالله الذي صدمني صدمة بالغة بالموقف.
إذ كان الموسم موسم انتخابات نيابية وقرب انطلاقة مرحلة الدعاية الانتخابية وكان المرشح لمجلس النواب يومها ثلاثة أشخاص؛ محمد لطف غالب وهو مستشار لوزارة الثقافة، وهو قارئ تاريخي حصيف أيضاً، والثاني هو القاضي عبدالرقيب عبدالحميد، والثالث هو الشيخ يوسف قائد محمد العيسائي نجل الشيخ المذكور آنفاً.
كانت الصدمة التي تلقاني بها الدكتور يوسف أنه أراد توظيف هذا الكشف وهذه الصور التي التقطتها لصالح صديقه محمد لطف غالب والذي قال لي بالحرف الواحد: "ممتاز هذه الصور ستنفع في الدفع بلطف للمجلس النيابي"، غضبت يومها غضباً شديداً وقلت له: "أنا أتعب وأبحث وأصور وأنت تستثمرها في إنجاح محمد لطف في الانتخابات؟!".
كان هذا الأمر ربما هو السبب للذهاب إلى النقش دون مرافقتي فيما بعد والاستفراد دوني، توصلت لقناعة بعدها أن الأهم هو معلومات النقش ولا يهمني استثماراتها فاتفقت أنا والدكتور يوسف أن يرسل لجنة إلى المكان بصحبتي لقراءة النقش لكنه كان يحتاج إلى إمكانات مادية كبيرة لنقله كونه على وشك الطمس، ووعدني أن سيزوره بنفسه وحددنا مكاناً للقاء والوصول إلى النقش، إلا أنه بحكم كبر سنه ومشاغله الأخرى لم يأت، وبعد عام تقريبا في سنة 1997 كلفني الدكتور إبراهيم الصلوي نائب رئيس جامعة صنعاء للشؤون الأكاديمية مع فريق قسم الآثار في كلية الآداب برئاسة الدكتور عبدالغني الشرعبي -رحمه الله- بالذهاب إلى موقع الكشف التاريخي في صبر لحج على بوابة عدن ومن ثم الانطلاق إلى نقش سامع بعد الانتهاء من موقع صبر.
هنا تلقيت الصدمة الأخرى من الدكتور عبدالغني الشرعبي الذي طالبني أن أوفر كافة متطلبات الرحلة إلى النقش بينما كانت الرحلة كلها ممولة من رئاسة جامعة صنعاء ومن الدكتور إبراهيم الصلوي، فاتصلت له شارحاً له الموضوع فغضب غضباً شديداً وأمرني بالعودة الفورية إلى صنعاء وأنه سيتخذ اللازم مع البعثة، ومن حسن أدب الدكتور الصلوي وذوقه الرفيع قدم لي الاعتذار الشخصي ووعدني بالرحلة مجدداً.
بعد ثلاثة أعوام تفاجأت برحلة ذهبت دون معرفة مسبقة مني إلى النقش وإذ بدراسة النقش تصدر للدكتور مهيوب غالب عن النقش وهي دراسة غير مكتملة، ثم جاء بعده بفترة بشير القدسي وأصدر دراسته الأخرى عنه.
في لقاء جمعني بالأستاذ المرحوم مطهر الإرياني أفادني أنه كان أول من زار النقش وصوره وذلك عام 1988م لكنه لم يصدر عنه دراسة مستقلة، وتواعدنا بزيارة النقش مجدداً ودراسته معاً لكن الأجل كان سباقاً وتوفي الأستاذ مطهر الإرياني رحمة الله تغشاه.
بينما يعيد مطهر الإرياني تاريخ النقش إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد يعيد الدكتور مهيوب تاريخه إلى نهاية القرن الأول الميلادي، وتلك طبيعة الدارسين في اختلاف تحديد التواريخ الحقيقية للنقوش، لكن من خلال بعض ما سرده الإرياني في جلسة نقاش خاصة كانت دلائله قوية في أن تاريخيه يعود لمنتصف القرن الأول قبل الميلاد.
بنوا "ع ر ق ن" في تعز والذين يسمون اليوم بالأعروق لهم وجود قديم بدليل هذا النقش الذي جعل من القيلة نعيمة العريقية حاكمة للمعافر لسيدها كليب شمر يهحمد، ولها تاريخ مفصل أوردته في كتاب لي ما يزال مخطوطاً، وقبيلتها "ذات ع ر ق ن" من القبائل النادرة التي لم تذكر في تاريخ تعز.
هناك بعض المعلومات تفيد بوجود نقش آخر فرع عن ذلك النقش ولا زال البحث جارياً عنه حتى اللحظة.
حينما لقيت بعض النقوش الأخرى في مديرية الصلو، وكشفت لي بعض المعلومات المهمة عن مرحلة من مراحل تاريخ المنطقة، كانت فرحتي لا توصف عن تلك اللقى وذلك الكشف، فما يهمني كان معلومات جديدة وحصرية أدونها في كتابي عن تاريخ تعز والمنطقة، وذلك مبتغى كل باحث في أن يقدم شيئاً جديداً لوطنه وشعبه وللعالم.
في مديرية سامع العديد من المواقع الأثرية تعود إلى ما قبل الميلاد، والتي أتحفظ على ذكرها لسببين رئيسين؛ الأول حتى لا تتعرض للنبش من باحثي الكنوز واللقى الأثرية، والثاني أعتبرها أماكن حصرية لمجالات بحثي فيها التي كنت أستعد للتنقيب عنها لولا الانقلاب الحوثي الذي دمر كل خططي البحثية فيها.
في أطراف مديرية سامع الغربية يوجد حصن "الصليحي" والذي يعود لعهد الولة الصليحية في القرن الرابع الهجري وينسب إلى مؤسس الدولة محمد بن علي الصليحي، يحتفظ الأهالي بحكاية شعبية عنه خلاصتها أن الصليحي لما استقر له حكم اليمن كلها اغتر بنفسه وصار ينازع الله في ملكه، ونسب إليه بيت شعري يقول:
الصليحي والإله اقتسما للصليحي الأرض ولله السماء
الشاهد في كل هذا أن لحطة عابرة ربما من التعليم في الصغر قد لا تلقي لها بالاً وأنت تنقلها إلى طفل صغير يكون لها أعظم الأثر في حياته وتغير مجرى حياته كلها فلا تستهن بها، وقديماً قيل: "التعليم في الصغر كالنقش في الحجر".
كذلك من أهم ما في هذا السرد من الشواهد هو أن تعز من ناحية الدراسات التاريخية مغيبة تماماً عن بقية الدراسات مثل المحافظات الأخرى، وقد اعتاد الدارسون والأكاديميون البحث فقط في مارب والجوف وشبوة وحضرموت على اعتبار أنها مناطق تاريخية قديمة، بينما في تعز أيضاً لها عمق تاريخي كبير سيتم الكشف عنه لاحقاً إن شاء الله لولا غمة الانقلاب الحوثي التي أتت على كل شيء، وأعاقت الدراسات والأبحاث وصعبت التنقل بين المحافظات بفعل حروبها المختلفة واختطافها الباحثين والصحفيين والتربويين والأكاديميين من الطرقات ومن بيوتهم وصار كثير منهم مشرداً في الدول المختلفة أو في الداخل باحثاً عن ما يسد رمق أولاده خاصة بعد نهبها كافة معاشات الموظفين وقطعها عنهم مما زاد الطين بلة.


في الأربعاء 03 يونيو-حزيران 2020 11:14:40 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=44966