سراب التوفيق بين الإسلام والعلمانية
إحسان الفقيه
إحسان الفقيه
 

الزيت والماء لا يمتزجان، والبحران بما بينهما من حاجز مائي لا يبغيان، وكل نقيضين لا يجتمعان.

نتقبل هذه الحقائق بأريحية من دون تشنج، ونقرّ الأشياء كما هي بخصائصها، واستحالة دمجها مع غيرها، غير أن البعض يروق له التكلف في ما ليس له إليه سبيل، فيسعى إلى التوفيق بين الأضداد والمتناقضات.

أبرز ما يُظهر هذا التكلف هو تلك المحاولات الفاشلة دائما للتوفيق بين الإسلام والمناهج الأرضية، لتتفتق أذهان أصحاب ذلك المسلك عن توليفة مسخ، تشبه محاولة أحدنا في أن يعقد بين شعيرتين، فصرنا نسمع عن إسلام اشتراكي، وإسلام ليبرالي، وإسلام ماركسي.

ومن ضمن هذه المحاولات، ما قام به بعض المتأثرين بضغط التقدم الغربي مقابل التخلف العربي، من السعي للتوفيق بين الإسلام والعلمانية، والبحث في النصوص والتراث الإسلامي، عن جذور للفكرة العلمانية، فقطفوا لها من حقائق الدين ما هو عنها بعيدٌ بُعد المشرقين، إلى الحد الذي يُحرف معنى تلك العلمانية ويفرغها من محتواها في الأساس، التماسًا لهذا التوفيق، فزعموا أن لها جذورا في الإسلام من حيث رفض سلطة رجال الدين وهيمنتهم على شؤون الحياة، مع أنه أمرٌ بديهي في الإسلام، فرجال العلم في ظل الإسلام ليست لهم سلطة خاصة، أو سيف مسلط على الرقاب، ومهمتهم في الأصل توعية الناس وتهيئتهم للمشاركة في البناء الحضاري، ونقل صوت الأمة والنيابة عنها أمام الحاكم، باعتبارهم من أهل الحل والعقد، وضبط القرار السياسي، وفق النظام الإسلامي المستمد من قطعيات الشريعة.

أما آراؤهم الاجتهادية فليست لها صفة القداسة، وتحتمل الصواب والخطأ، وليسوا أصحاب سلطة كهنوتية على غرار الحكم الثيوقراطي الكنسي في أوروبا، الذي كانت بموجبه تُصادر الأملاك باسم الدين، وتُعارض كل فكرة علمية وكل نظرية وكل اكتشاف لا يمر من خلال رجال الدين، وتُحقَّر الفطرة البشرية والنزعات الإنسانية، ويُترك إعمار الدنيا بزعم الوصول إلى الله. ولما كانت العلمانية يطلق عليه البعض «الدنيوية»، وجد أصحاب مسلك التوفيق ضالتهم في اهتمام الإسلام بالدنيا، وأنها قنطرة إلى الآخرة يجب إصلاحها، وحرصه على إعمار الكون والأخذ بأسباب القوة والحضارة، فقالوا إذن العلمانية لها جذور في الإسلام من هذا الجانب.

   محاولة التوفيق بين المنهج الإسلامي والعلماني محال، إذ ينعدم وجود أسس مشتركة للالتقاء، بل تتضاد طبيعة ومرتكزات المنهجين

وهذا قطعًا من التكلف المفضي إلى التدليس، فالعلمانية تعني اللاديني أو اللامقدس، وليست معبرة عن العلم، فهي ليست فكرة مقابلة للتخلف والرجعية، وإنما مقابلة لصلة البشر بمصدر سماوي علوي غيبي. الشيخ محمد عبده رغم أنه لفت الانتباه لضرورة بعث نهضوي إسلامي، إلا أنه كان من أصحاب هذا الاتجاه، الذي يسعى للتوفيق بين الإسلام والعلمانية، ولم تخل الحقب المختلفة من أصحاب هذا التوجّه حتى الآن، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وهبَّةِ بعض الكتاب لإيجاد جسور بين المنهج الإسلامي والحضارة الغربية، فبحثوا عن أوجه التشابه بين الإسلام والعلمانية وتعسفوا في إثباتها.

محاولة التوفيق بين المنهج الإسلامي والعلماني محال، إذ ينعدم وجود أسس مشتركة للالتقاء، بل تتضاد طبيعة ومرتكزات المنهجين، فالمنهج الإسلامي يرتكز على شمولية الدين، بينما المنهج العلماني يرتكز على إقصاء الدين، والتأليف بينهما، إما أن يفضي إلى تجريد المنهج الإسلامي من شموليته، أو يفضي إلى تفريغ العلمانية من مضمونها ومحتواها.

نسْف فكرة هذا التوافق يقول به الكتاب الغربيون كذلك، إلا أنهم يرون إمكانيته، شرط اختزال المنهج الإسلامي وتقويضه، فعلى سبيل المثال نجد الباحث والأستاذ الجامعي الفرنسي أوليفييه روا يتحدث في كتابه «الإسلام والعلمانية» عن حزمة من القوادح في هذه الصلة، على رأسها مبدأ الحاكمية المطلقة لله، كما أوضح أن الأحزاب اليمينية في أوروبا ترى هذه الاستحالة في التوفيق بين الإسلام والعلمانية، بل تنامى انتقال هذه الرؤية إلى معسكر اليسار أيضا. لكن روا تعرض في كتابه إلى الاتجاه الإسلامي الذي ينزع إلى التحرر من النص الديني، ومن ثم لا يكون الدين خاضعا لتلك النصوص القرآنية والنبوية، وتتعامل مع شخصية النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، باعتبار البعد التاريخي، من دون أن تكون حياته وسيرته نموذجا لمسلمي العصر، فأصحاب هذا الاتجاه هم الذين يمكن لهم الالتقاء مع العلمانية.

التوفيق بين الإسلامي والعلمانية كمنهج محال، لكن هل ثمة قاعدة مشتركة يمكن أن يجتمع عليها حملة المنهج الإسلامي والفكر العلماني؟

القاعدة الوحيدة التي يمكن التقاء الطرفين عليها هي مشروع نهضوي جامع لأبناء الوطن الواحد، يتطلب من كلٍّ من الاتجاهين بعض المرونة وإعلاء مصلحة المجموع. أما عن حملة المنهج الإسلامي، فمطلوب منهم أولا عدم وضع العلمانيين جميعًا في سلة واحدة، فالعالم الموسوعي عبد الوهاب المسيري، على سبيل المثال، يفرق بين العلمانية الشاملة، التي هي فصل لكل القيم عن مجمل حياة الإنسان وجوانب الحياة العامة ثم الخاصة، والعلمانية الجزئية التي هي فصل الدين عن الدولة، أو إقصاء هيمنة الدين عن صبغ مناحي الحياة، فالشاملة تعني نبذ الدين مطلقا كالعلمانية الماركسية ذات الأصول الاشتراكية، التي ترى في الإسلام تخلفا وانحطاطا، والجزئية يرى أصحابها أن للدين أهمية في بناء المجتمع، لكن يختزلونه في علاقة الفرد بربه، لا تتعدى حدود المسجد إلى شؤون الحياة.

فليس هناك مجال للالتقاء مع العلمانية الشاملة المتطرفة، وأما أصحاب العلمانية الجزئية فمعظمهم قد أُتِيَ من قبل تأثره بالغرب وجهله بطبيعة المنهج، فهؤلاء يمكن الحوار معهم، والالتقاء على مشروع نهضوي جامع، يدخل تحت مظلته جميع الحريصين على أوطانهم والمصلحة العامة فيه.

أما أصحاب هذه الفئة من العلمانيين فإنهم مطالبون بتقدير دور الدين، في أي مشروع نهضوي، انطلاقا مما أكد عليه علماء الاجتماع مثل، أرنولد توينبي وغيره في أن أي حضارة لابد أن ترتكز على فكرة مركزية، رأوا أن العقيدة الدينية هي ما تقوم عليه الحضارات غالبا.

ونجد هذه الاستجابة للعلمانيين حاضرة بقوة في المجتمع الصهيوني، فرغم مشكلة العلمانيين الصهاينة مع الدين إلا أنهم متمسكون بيهودية المجتمع الصهيوني، نظرًا لأن الدين اليهودي يمثل الفكرة المركزية الجامعة لكل الصهاينة.

وليعلم كل علماني في الأمة الإسلامية أن مشكلته الأساسية ليست مع الإسلام، مشكلته مع الاستبداد السياسي، الذي تركه الغزاة خليفة لهم في بلدان الأمة، فلئن ثارت أوروبا على الحكم الثيوقراطي الذي قادهم إلى التخلف، فالمنهج الإسلامي في صورته الأصلية يحمل رسالة البناء والإعمار والتقدم والازدهار، والتاريخ خير شاهد، فالعرب لم يتخلفوا لأنهم مسلمون، بل كانت فترات ضعفهم مصاحبة لنأيهم عن التصورات الصحيحة للدين، فالمفترض أن تكون معركتهم مع الاستبداد والأنظمة الجائرة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 
في الإثنين 28 أكتوبر-تشرين الأول 2019 09:02:06 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=44637