مذبحة محمد علي
إحسان الفقيه
إحسان الفقيه
 

من قلب “البيت الكبير” مضى ذلك الفتى الطموح “القشاش” متجاوزًا “شارع عبد العزيز”، واستقلّ “المعدية” لتعبر به البحر إلى “البر التاني”.

تلك هي بعض عناوين الأعمال الفنية للممثل ورجل الأعمال محمد علي، التي لم تضمن له الشهرة الواسعة، ولا الوقوف في مصاف المشاهير من الفنانين، رغم أنه قام بإنتاج فيلمه الأخير “البر التاني”.

على المستوى الشخصي، لم أكن أسمع به كرجل أعمال، ولم أكن أحفظ اسمه عندما رأيته في بعض الأعمال الفنية المصرية، التي لم يحز فيها على أدوار البطولة، ولا أحسبه قد توقع في يومٍ من الأيام أن ينال هذه الشهرة الواسعة، التي فاقت النجوم الكبار في السينما المصرية، بعد أدائه دور البطولة في فيلمه الجديد “مذبحة محمد علي”.

مذبحة محمد علي فيلم واقعي، دارت أحداثه على مدى الأيام القليلة الماضية، ليس على الشاشات، ولكن على السوشيال ميديا، عبر المقاطع المرئية التي ذبح فيها محمد علي نظام السيسي وكشف جانبًا خفيًا من فساده.

القارئ لتاريخ مصر يدرك أنه في عام 1811، دبّر الوالي محمد علي باشا مذبحة عظيمة لأمراء المماليك المتنفذين ليكسر شوكتهم، واليوم يستعيد المغردون والمدونون في التواصل الاجتماعي تلك المناسبة (المذبحة) واسم الوالي القائم عليها (محمد علي)، ليكون عنوانًا لنشر الفنان ورجل الأعمال المصري تفاصيل خصومته مع السيسي وجنرالاته، حيث نال منهم عبر بث معلومات غاية في الأهمية من مقر إقامته في إسبانيا، تتعلق بالفساد المالي لرئيس النظام وحاشيته العسكرية، أصبحت حديث الساعة.

*مشروعات للهيئة الهندسية في الجيش تقوم من دون دراسات جدوى وتجبر البنوك على تمويلها بضمان أختام القوات المسلحة.

*السطو على مستحقات المقاولين وعدم الالتزام بدفعها، بزعم ضرورة دعم الدولة، منها 220 مليون جنيه خاصة بالفنان المقاول محمد علي.

*مجاملات السيسي للمقربين إليه على حساب الشعب، منها مجاملته لصديقه اللواء شريف صلاح بإنشاء فندق 7 نجوم بتكلفة مالية قدرها 2 مليار في منطقة التجمع الخامس أمام الفيلا الخاصة به، رغم عدم حاجة المنطقة لمثل هذا الفندق بتلك التكلفة الباهظة.

*إنشاء استراحة لانتصار السيسي قرينة رئيس النظام، استراحة بالإسكندرية لقضاء عطلة العيد بتكلفة 250 مليون جنيه غير ثمن الأرض والتأسيس والديكورات، ثم إجراء تعديلات عليها بـ 60 مليونا، رغم وجود قصر رئاسي على بعد أمتار من الاستراحة الجديدة.

*بناء قصر كبير لتأمين الرئيس في “الهايكستب” إلى جانب خمس فيلات لكبار جنرالاته، الذين يشاركونه إدارة الدولة، ولكل منها نفق يقود إلى مبانٍ إدارية، على سبيل التأمين والحماية.

*إنفاق 2.3 مليون على بوابة أو تشريفة لمقابر القوات المسلحة لتجهيز مقبرة والدة السيسي.

هذا طرفٌ مما ذكره محمد علي من الفساد المالي الذي تورط فيه السيسي وجنرالاته، إضافة إلى عدد من القصور والاستراحات والبيوت، التي تم إنشاؤها لزعيم الانقلاب، قال عنها الفنان المقاول إنها إهدار للمليارات.

أهمية وخطورة تصريحات المقاول والفنان المصري، لا تكمن في كونها حلقة في سلسلة الفنانين المنشقين والمعارضين لنظام السيسي، لكن مرجعها لأن محمد علي عمل مع الجيش لمدة 15 عامًا، وأوكلت إلى شركته أدق المشروعات التي كانت تسندها المخابرات الحربية والقيادات العسكرية وأجهزة الدولة، لذا فإننا نتحدث عن رجل أعمال قريب من الأروقة العسكرية. وهذا يقودنا إلى حتمية قبول محتويات هذه المقاطع للفنان والمقاول محمد علي والبناء عليها، ورفض محاولات إلصاق تهمة الانتماء للإخوان به، ذلك لأن الاحتكاك بالجيش ومخابراته وقياداته على هذا النحو، تحتم خضوع الرجل لتحريات الأجهزة الأمنية، بما يؤكد أن محمد علي ليست له ولا لعائلته أية انتماءات سياسية، بل على العكس من ذلك، فوالده بطل رياضي مثل بلاده في محافل رياضية دولية، وكان في صفوف قوات الصاعقة المصرية، وكذلك كان أخوه ضابطا في القوات المسلحة، وهي المعلومات التي أدلى بها والد محمد علي في لقائه مع الإعلامي المصري الموالي للنظام أحمد موسى، والذي استضافه ليُكذِّب ابنه على الفضائيات ويتبرأ منه، لتحسين صورة السيسي وجنرالاته، وهو أسلوب دأب عليه الإعلام المصري مع المعارضين بإشراف حكومي.

ومما يضطرنا لقبول تصريحات محمد علي، أنه لا مصلحة له في معاداة النظام وتعريض نفسه للاعتقال أو القتل وتعريض أهله للأذى، خاصة أنه كما قلنا لا انتماءات سياسية أو دينية له، بل كان من المعارضين لحكم الرئيس الشرعي السابق محمد مرسي.

تصريحات محمد علي جاءت تأكيدًا على ابتلاع الحكم العسكري لاقتصاد الدولة وهيمنته عليها، واعتبار ثروات البلاد تركِة تُورّث للجيش منذ انقلاب 1952، وهو الأمر الذي ازداد توحشا بعد تولي عبد الفتاح السيسي زمام الأمور، وتثبيت ولاء القيادات العسكرية له بإطلاق أيديهم في الاقتصاد بصورة تفوق ما كان عليه الوضع في عهد مبارك، فكانت تلك المعلومات التي أدلى بها محمد علي صادرة عن شاهد عيان، تؤكد هذا العبث العسكري بمقدرات البلاد.

كما أن هناك أهمية خاصة لتلك التصريحات، تتمثل في أنها المرة الأولى التي يظهر فيها على السطح مدى النفوذ الذي تتمتع به زوجة رئيس النظام وتحكُّمَها في إدارة القصور والاستراحات الرئاسية، بما يشير إلى إعادة صورة الأسرة الحاكمة المهيمنة التي كانت في حقبة مبارك. إذا سرنا مع التحليلات التي تتجه إلى القول بأن هناك شخصيات في المؤسسة العسكرية أو المخابرات العامة تقف خلف منحى الفنان المقاول، فهذا يعني أننا بصدد صراع أجنحة، وهو ما ينذر بتفكك النظام أو على الأقل إضعافه، وهذا تفسير مقبول إلى حد بعيد، حيث أنه لم يعد يخفى على متابع للشأن المصري أن هناك قيادات في الجيش غير راضية على الإطلاق عن سياسات النظام وحاشيته، إضافة إلى أن تغوّل المخابرات الحربية وقفزها على المخابرات العامة، ربما يدفع الأخيرة للتسريب ضد النظام.

من أبشع ما شهدتُه أثناء استقصائي وتتبعي لتلك الأحداث، قبل أن أكتب فيها، لجوء الإعلام الرسمي إلى حيلة دنيئة ومفضوحة في الوقت نفسه لإلهاء الناس عن قضية محمد علي، عندما عمد إعلاميون تجردوا من كل القيم، إلى تشويه صورة وسيرة عبد الله محمد مرسي نجل الرئيس الراحل، الذي توفي في هذه الأثناء، مخلفًا أحزانًا أخرى لتلك العائلة الصابرة، والادعاء بأنه كان قبيل وفاته مع فتاة ليل، ولم يراعوا جلال الموت وهيبته، فلم يرحموا أفراد هذه الأسرة أحياءً ولم يرحموهم أمواتًا.

لكن تبقى مذبحة محمد علي وغيرها من المذابح المنتظرة بحق النظام الجائر، مبشرات بزوال عصابة الانقلاب، وعودة مصر إلى أبنائها، بجهود المخلصين من المدنيين والعسكريين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

# كاتبة أردنية


في الإثنين 09 سبتمبر-أيلول 2019 07:52:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=44537