إلى متى سيظل قانون ساكسونياً ساري المفعول؟
ناجي منصور نمران
ناجي منصور نمران

قانون ساكسونيا- لمن لايعرفه- قانون كان يُطبق في ولاية ساكسونيا الألمانية وهي ولاية تطل من الغرب على هولندا ومن الشمال على بحر الشمال في مرحلة تاريخية سابقة من تاريخ ألمانيا، وهي ولاية لم تعرف العدل أبداً فكان الظلم شعارها ، والمواطنة غير المتساوية سمتها، حيث وضع المتنفذون فيها من أمراء وأعيان وتجار قانون غريب يعتبر الوجه الآخر لسياسة الكيل بمكيالين التي ينتهجها العم سام أيامنا هذه ، ولكن بشكل آخر أكثر وضوحاً حيث ينص القانون على أنه إذا أرتكب أحد من الرعاع أو الفقراء جريمة فإنه يُعاقب عليها، فالسارق يتم سجنه والقاتل يتم قتله وهكذا لكل جريمة عقوبة خاصة بها ، وأما إذا أرتكبها أحد النبلاء أو أبناء الطبقة العليا فإن القانون يُطبق فقط على ظل الجاني حيث يُؤتى بالسارق أو القاتل في الشمس ويتم محاكمة ظله إما بسجن ظله إذا سرق أو قطع رقبة ظله إذا ما قتل إلخ ، وبذلك تكون الولاية قد طبقت العدالة بمجرد محاكمة الظل وتجنباً لما قد يُقال في باقي الولايات من أن العدالة غائبة في ساكسونيا ولايتم تطبيقها إلا على المستضعفين ، ولذا فقد أصبح هذا القانون الجائر يُضرب به المثل عند ما تكون العدالة زائفة ووهمية ، ومثال واضح للفجوة الكبيرة بين الطبقات الثرية التي تفلت بجرائمها وتلك الفقيرة التي تدفع ثمناً باهظاً لفقرها

يمكن القول أن نظام المخلوع صالح قد دأب على تطبيق قانون أشبه مايكون بقانون ساكسونيا بشكل أو بآخر في إدارة شئون البلاد والتعاطي مع القضايا الهامة التي تلامس حياة المواطن بشكل مباشر، فكلنا نعرف كيف كان القضاء يُطبق على الضعيف ويستثني من لدية (وساطة) قوية وظهر يحميه يستطيع إخراجه من أي قضية مهما كانت بالغة التعقيد كقضايا القتل والفساد المالي والإداري وغيرها من القضايا وهذا لم يعد خافياً على أحد، وكيف أن النيابة العامة كانت تنقض على المسكين وتتجاهل القوي بل وتختلق المبررات لدرء الشبهات عنه، وكيف أن الهيئة العليا لمكافحة الفساد أيضاً كانت تغض الطرف عن قضايا الفساد الكبرى وتركز على سفاسف الأمور والقضايا التافهة، ولهذا فقد كان لمثل تلك السياسات الخاطئة دور كبير في تأليب الشارع وخروجه في وجه النظام متطلعاُ لمرحلة جديدة عنوانها المساواة بين الناس في شتى الأمور الحياتية، فالجميع سواسية أمام العدالة

  الآن وبعد أن تخلصنا من كابوس صالح كل ما نخشاه هو أن قانون ساكسونيا لايزال ساري المفعول، وهو ما لانتمنى أن يكون صحيح ، ومايجعلنا نعتقد بوجود مثل تلك الصورة القاتمة هي بعض المؤشرات السلبية الدالة على وجود هذا القانون، فعندما نجد الأجهزة المختصة كالنيابة العامة مثلاً تركز جهودها على التحقيق في قضية جامع النهدين عندما تم إستهداف الرئيس السابق مع كبار رجال الدولة في حكومته وهذا بالطبع جزء من واجباتها، متجاهلة مهامها أيضاً بضرورة التحقيق في قضية سفك دماء الشهداء الذين سقطوا بالمئات برصاص البلاطجة في ساحات التغيير كجمعة الكرامة ومحرقة تعز وباقي المجازر بحق شباب الثورة وكأنها ليست المعنية بالتحقيق في مثل هذه القضايا ،فنحن في هذه الحالة وللأسف لانزال تحت رحمة قانون ساكسونيا

عندما نجد الجهات المختصة تتجاهل كرامة المواطن اليمني المهدورة وتستخف بدمه وعرضه كما حدث في قضية فتاة عصر المغتصبة والتي لاتزال تنتظر عدالة جهاتنا المختصة الموقرة في إنصافها ممن أستباح عرضها وشرفها ولطخ شرف كل أبناء اليمن في التراب، وهي قضية طالما أُثيرت من قبل أغلب المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الحرة ،علاوة على تنظيم الكثير من المظاهرات والوقفات الإحتجاجية التي نُظمت خصيصاً للمطالبة بالقبض على الجناة وتقديمهم للقضاء كان آخرها وقفة مطلع هذا الشهر أمام منزل الرئيس هادي تكللت بتوجيهات الأخير الصريحة لكل من النيابة العامة ووزارة الداخلية بسرعة إتخاذ اللازم وهو ماجعل الشارع يستبشر حينها خيراً في أن العدالة أخيراً ستأخذ مجراها على الرغم من أن ذلك هو واجب تلك الجهات ولاتحتاج حتى للرئيس أن يذكرها بمهامها، إلا أن التوجيهات الرئاسية على مايبدو كان حظها (النوم) في أحد أدراج المكاتب التي تكتظ بالعديد من القضايا التي تحتاج سرعة البت فيها والمؤرشفة بعناوين قضايا جسيمة الجناة فيها متنفذين فوق القانون، فحتى الآن ونحن نشارف على نهاية الشهر منذ صدور تلك التوجيهات ومرور قرابة الشهرين على وقوع الجريمة لم نسمع عن تحريك النيابة العامة ووزارة الداخلية ساكن ، فهل يُعقل أن الجهات المختصة لم تستطع حتى اللحظة العثور على مغتصبي الفتاة والزج بهم في السجن، أم أن هؤلاء أشباح يستحيل ملاحقتهم ، ومن يدري فربما أن هذه الأجهزة قد لاقت صعوبات جسام تستدعي تدخل الأمم المتحدة وإرسال بن عمر ليتوسط عند أسر الجناة(المتنفذين) لتسليم المجرمين ، أم أننا فعلاً لا نزال أمام قانون ساكسونيا وسنكتفي بمحاكمة ظل هؤلاء المجرمين الغائب هو أيضاً بغياب أصحابه

عندما تجد الدوائر القضائية (الموقرة) منشغلة بملاحقة الصحفيين وأصحاب الأقلام الحرة، والتضييق على حرياتهم المكفولة بالقانون عقاباً لهم على جهودهم المضنية من أجل نقل الحقيقة وتعرية الفاسدين ،وإنتقادهم بكل جرأة لكل من يقدم على تخريب الوطن ويحاول النيل من مقدراته ومكتسباته، تاركة المتورطين في قضايا تخويف وإستهداف هؤلاء الصحفيين بدون مسائلة ، على سبيل المثال قضية محاولة إغتيال الصحفي حسام عاشور نتيجة كتاباته حول قضايا فساد في محافظة حضرموت ،وقضية الشروع في قتل رئيس تحرير صحيفة الأمناء الصحفي عدنان الأعجم في عدن على خلفية نشر صحيفته مقالات تفضح فاسدين وغيرهم، فقانون ساكسونيا عندها لايزال هوسيد الموقف. نتمنى أن يأتي اليوم الذي نرى فيه السلطات القضائية تستثمر جهودها في قضايا أهم بكثيرمن ملاحقة الصحفيين كقضايا الفساد ونهب المال العام ،والإهتمام بقضايا المؤامرات على جنود الوطن وقتلهم بالمئات في أبين من قبل أركان النظام السابق، والتورط في تسهيل عملية قتل وجرح المئات منهم في ميدان السبعين أثناء التحضير للإحتفال بعيد الوحدة وغيرها الكثير من القضايا الهامة. 

فهل نحن فعلاً لانزال تحت رحمة قانون ساكسونيا اللعين ، أم أنه تصور مبالغ فيه نوعاُ ما لواقع نعيشه بنيته متأثرا بمشاهدتي لفيلم (الغول) بطولة عادل إمام والذي سطر فيه هذه التراجيديا المؤلمة في ملحمة فنية أقل مايُقال عنها أنها رائعة


في الإثنين 25 يونيو-حزيران 2012 06:07:50 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=16203