عندما يتصور الفأر نفسه اسداً ويتصرف على هذا الأساس
علي كاش

مأرب برس - خاص

السياسة فن وهي فن الممكن وليس المستحيل وفن الواقع وليس الخيال وفن التريث وليس الأندفاع وفن التفهم وليس الأستعباط وفن التواضع وليس الأستكبار، وفن الاعماق وليس السطح وفن الحاضر قبل المستقبل وفن الوسيلة قبل الغاية وفن المسافة وليس القفز والسياسي، وعندما يتبوأ مركزاً قياديا تترتب عليه مسؤليات تصاعدية تتناسب طرديا وموقعه القيادي، فهو سينتقل من مرحلة الذات الى مرحلة الآخر، سواء تمثل الآخر بالنخبة التي تخضع الى ارادته السياسية أو الشعب كله او احدى فصائله، مهما يكن حجمها فانها يجب ان تكون اقرب من رمشه الى عينه بأعتباره تحول الى رمز وانموذج وطني تزدهي صورته امام من يقودهم في عملية العطاء والبناء والتقدم، القيادة تكليف وليس تشريف وسلوك القائد وتصرفاته وادارته القيادية وأفكاره وتصريحاته تكون موضع الأهتمام على المستوى الداخلي والخارجي وتترتب عليها مسئوليات وطنيه، كما ان هفواته وعثراته سوف لا تنعكس على ذاته فحسب وانما ترمي بظلالها على من يقودهم والمسيرة السياسة بطريقة فاعلة ومؤثرة، وربما على الوطن كله، كما ان طرق أدائه القيادي تكون محط أنظار الجميع ويحتذي بها الآخرون، لذا فأن التسلط البيروقراطي والعشائري وإستغلال المركز القيادي والتطرف العنصري أو الطائفي من أهم المخاطر القيادية كما أثبتت العديد من التجارب السياسية في العالم ومنها الفاشيستية والنازية والصهيونية وغالباً ما تنمو بذورها السامة بشكل سريع وأنتشار واسع مهددا لكيان الحزب أو الدولة ويصاحبها إنحسار المد الشعبي .

القيادات الكردية منذ القائد صلاح الدين الأيوبي لم تشهد مواقف وطنية واذا رجعت الى كتب التأريخ سترى ان أكراد العراق لم يكن لهم دورا وطنياً مشرفاً في الذود عن العراق ومصالحه الوطنية وحتى ثورة العشرين وثورة تموز وما تلاها لم يكن للأكراد دورا فاعلا ومؤثرا في الأحداث، الا من الناحية السلبية فالأكراد شوكة في خاصرة العراق الحديث، لقد تمردوا على كل الأنظمة سواء كان الملكي او الجمهوري او حتى الأحتلالي رغم انهم طرفاً ممهداً للغزو، وبالرغم من المكتسبات التي حققوها في الماضي القريب والحاضر، منذ إعلان بيان الحادي عشر من آذار وحصولهم على الحكم الذاتي وهي مكتسبات لم تتحق للأكراد في بقية دول العالم لحد اللحظة، وكانت اقبح ادوارهم في الحرب العراقية الأيرانية عندما فتحوا جبهة داخلية ضد قوات الجيش العراقي واضعيها بين كماشتي الفرس والأكراد، وبدلاً من ان ينصرف الجيش العراقي الباسل لصد الهجمة الصفوية بشكل كامل، انصرفت قطعات منه لمواجهة الطابور الكردي الخامس الذي انتهز إنشغال الجيش وبدأ بتنفيذ عمليات ضد قطعات الجيش كبدهم في ذلك خسائر كبيرة، وكانت عمليات الأنفال التي قامت بها الجحوش الكردية تحت لواء الجيش العراقي لمحاربة الأكراد المتمردين قد تمت بناءا علي رغبة الجحوش الأكراد أنفسهم وقدموا خلالها معلومات إستخبارية مهمة عن مواقع المتمردين وكانوا رأس الحربة في العمليات، وأتت معارك حلبجة لتزيل الستار كاملاً عن الوجه الكردي القبيح الذي مهد للإيرانيين التسلل إلى خلف القطاعات العراقية لغرض فرض طوق عليهم بمساعدة الأدلاء الأذلاء من الأكراد، وأكملوا دورهم الخياني بمسرحية حلبجة مدعين بأن الجيش العراقي وليس الأيرانيين من وجه ضربة كيمياوية لحلبجة؟ وخلال حربي الخليج الثانية والثالثة لم يكن دور الأكراد أقل عفونة عن الحرب العراقية الأيرانية؟ فمسلسل الدور التآمري على مصالح العراق ووحدته الوطنية استمر منذ التعاون بين المقبور مصطفى البرزاني والكيان الصهيوني لغاية وريث الخيانة مسعود البرزاني حيث يسرح ويمرح الصهاينة في ربوع شمال العراق.

وفي الوقت الذي كان فيه جلال الطلباني اقل ضراوة من البرزاني فأن هذا الأخير يخرج بين آونة واخرى مهدداً بالأنفصال عن العراق، كأن الأمر بهذه السهولة وهو يعلم ان تكرار جمهورية مهاباد عام 1952 التي دامت احد عشر شهراً أمست حلماً والأحلام لا تتكرر وخاصة في ظل الأوضاع العراقية والدولية الحالية، وان بناء الدولة الكردية المزعومة سيكون أوهى من خيوط العنكبوت، فهي ستلد ممسوخة ومعتوهة واهنة وغير مقدر لها أن تصمد أمام أول مشكلة تواجهها. وسبق أن هدد مسعود البرزاني بانه سننفصل عن العراق إذا حدثت حرباً اهلية ورغم الشواهد الدولية على حدوثها لكن البرزاني لم يتجرأ على اعلان دولته، وهدد ان كركوك هي الفيصل الحاسم في موضوع الأنفصال وهو على دراية بأن كركوك هي القشة التي ستقصم ظهر البعير الكردي، وتأتي تصريحات البرزاني البلهاء لتضيف للأكراد أنفسهم عبئا جديداً، فهو بين تارة واخرى ينسى نفسه ويتصرف كأنه عملاق وليس بقزم، وهو يذكرنا بقصة الفأر الذي تصور نفسه أسداً وبدأ يتصرف على هذه الشاكلة؟ انه يعرف قدر نفسه جيداً ويعلم ان مصدر قوته الأمريكان والأسرائيليين والإيرانيين فقط؟ وبدونهما فأن محله من الأعراب اسماً ممنوع من الصرف في البنك العراقي والدولي؟ وكدلالة على تفكيره الهامشي والسطحي عدم تمييزه بين الحليف والعميل وهذه من اشد عثراته كقائد كردي، مما يستدعي منه الرجوع الى الخلف قليلاً للوقوف على بعض المفاهيم ذات العلاقة كالطابور الخامس والذرائعية والترويض وتلاقي الاستراتيجيات والردة والسطحية والحلف وغيرها وعدم الأكتفاء بمعرفة وممارسة القبلية والعشائرية والعمالة.وسوف لا نتحدث عن العمالة بأعتبارها صفة مكتسبة للبرزاني عبر الوراثة رغم انها طورها وأوصلها الى القمة، ولكننا سنتحدث عن الحلف، فهناك فرقاً كبيراً بين الحليف والعميل، وخصوصا ونحن في الألفية الثالثة وهي ألفية تلاقي الاستراتيجيات والتلاقح الحضاري والسياسي والعسكري عبر الأحلاف السياسية والعسكرية والأقتصادية الأقليمية او الدولية، والحلف عادة هو صيغة للتعاون المنظم بين طرفين او اكثر على نفس المستوى أو تقارب بين المستويات على اقل تقدير، ويبنى هذا التعاون طويل الأمد على أسس ايدلوجية كحلف وارسو السابق او حركة عدم الانحياز أو سياسية كالأتحاد الأوربي أو اقتصادية كمنظمة التجارة الدولية أو جغرافية كمنظومة البلقان أو الدول الشرق أوسطية أو عسكرية كحلف شمال الأطلسي وغيرها من النماذج، ويتجسد التعاون عبر أتفاقيات بين الدول المنضوية تحت لوائه وعبر آليات وصيغ تنظم العمل المشترك، وغالبا ما يتخذ مقراً للقيادة أو منظمة لأدارة شؤونه المختلفة وتحقيق التقارب بين مصالح المجموعة؟ الغرض من الأحلاف هو تحقيق التوازن وتعزيز القوة أو مواجهة حالة جديدة تهدد الأوضاع الدولية من حيث الأمن والأستقرار. لذا يمكن القول ان الأحلاف تعني تلاقي الأستراتيجيات بين الدول المتعاقدة.

ويختلف مفهوم الحلف عن العمالة فالحلف يكون بين الدول وبين مستويات متقاربة على مختلف الأصعدة وهو حالة مستديمة ويعمل وفق آليات محددة وتنظمه اتفاقيات دولية واهداف بعيدة المدى، ويمثل مصالح استراتيجية عليا للدولة ويتطلب خبراء في مختلف الأختصاصات، الحلف حالة ايجابية لكل اعضائه، في حين ان العمالة حالة سلبية بكل اوجهها وهي وقتية ينتهي مفعولها بانتهاء المصالح التي أوجبتها، وهي تستهدف مصالح الدولة العليا وتعرضها للخطر، والعمالة حالة انهزامية واستسلام مهين لقوى خارجية والخضوع الى اوامرها وارادتها على حساب المصلحة الوطنية، والعمالة تسفر عن وجهها الحقيقي وقت ضعف الدولة والحروب والأزمات فتكون فرصة ذهبية للعميل للأصطياد في المياه العكرة، والعمالة رغم ان اسبابها ونتائجها واحدة فلا فرق بين عميل وآخر الا من ناحية الأرباح التي حققها للقوى الخارجية ومقدار الخسائر التي كبدها لوطنه، فهناك عملاء كبار ومنهم غورباتشوف الذي فرط عقد الأتحاد السوفيتي العملاق الى جمهوريات ضعيفة وهناك العملاء الأقزام ومنهم البرزاني، ورغم ان العملاء اكسبايرهم محدود سواء كانوا كبار أو أقزام فان التأريخ شاهدا على خيانتهم وسيصب لعناته عليهم في الحياة والممات، فالشاهنشاه الأيراني والسادات وغيرهم تساووا مع بقية العملاء الصغار؟ وهذا الأمر وهو عدم تمييز مكانة الفرد بين مقعدي الحليف والعمالة أوقع البرزاني في شر أعماله، فقد نسى نفسه كمحافظ لمحافظتين في شمال العراق ليتحدث كزعيم أممي، وعندما صرح بأن من حق الأكراد في سوريا وايران وتركيا إقامة دولة كردية مستقلة، ً فأن أكراد العراق لن يترددوا في تقديم المساعدة لأخوانهم في الدول الثلاث؟ مهدداً تركيا من مغبة التدخل في موضوع كركوك؟ وكان للتصريح وقعه المؤثر لدى الحكومة التركية، فقد رد وزير الخارجية التركي عبد الله غول بأن الجميع سينظرون الى الرد التركي الصارم على التصريحات الأستفزازية، ولأنه سياسي محترف لم يتحدث اكثر مع البرزاني بل خاطب وزيرة الخارجية الأمريكية ليعلمها بانه لولا الدعم الأمريكي لم يتجرأ الفأر الكردي بالأستعداء على الأسد التركي، ولأنه يتفهم نرجسية البرزاني فقد ذكر بان الأخير بتصريحاته هذه يحاول ان يغذي غرائزه الشخصية وسيتحمل مسؤولية تصريحاته، وفي الوقت الذي فاجأ فيه البرزاني القيادة التركية فأنه على نفس المستوى فاجأ القيادة العراقية وأوقعها في ورطة كبيرة، ومن المفروض ان ينتبه لنفسه فالمراهقة السياسية والعهر السياسي ليس وقتهما الحالي، والعراق يمر في أصعب مرحلة تأريخية، لذا هبت الأحزاب السياسية العراقية إلى أتحاذ إجراءات عاجلة لترقيع الثقب في العمامة البرزانية، فالقادة العراقيون يدركون حجمهم المتقزم وحجم تركيا الحقيقي وليس بإمكان السكين العمياء ان تحارب المدفع، كما ان تركيا منفذا تجاريا مهماً للعراق وبإمكانها غلق معبر الخابور الحدودي وربما تعليق تصدير النفط عبر اراضيها، كما انها يمكن ان تتوغل في الأراضي العراقية بالعمق الذي ترغبه دون الحاجة الى رخصة امريكية كما عبر الكثير من قادتها تحت غطاء محاربة حزب العمال التركي الذي يتخذ اوكاره في شمال العراق بقوة(5) ألاف مقاتل يدعمهم الحزبان الكرديان الرئيسان، والبرزاني كان من المفروض ان يوسع أفق تفكيره ويتفهم بان تركيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وهو عميل أو حليف هش لها، كما ان الولايات المتحدة غير مستعدة للتضحية بالأسد التركي من أجل الفأر الكردي، وان تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي ومرشحة للأتحاد الأوربي، وهذا يفرض مسحة استراتيجية حول الأسبقيات والأفضليات في الأوضاع الدولية الراهنة. وان دعوة تركيا لأجتماع مجلس الأمن القومي ينبأ بانها سوف لن تتغاضي هذه المرة عن البرزاني وسلاطة لسانه، لان هذا التغاضي من شأنه ان يفاقم من الموضوع ويمنحه مساحة اكبر للأستعداء على تركيا، لذا فان الدرس يجب أن يكون بليغاً وقاسيا ليعرف كل مقدار حجمه الحقيقي. وكانت أول ورقة كشفت عنا تركيا هي رشوة البرزاني لوزير العدل هاشم الشبلي الذي استقال الأسبوع الماضي قبل نشر الفضيحة بتقديمه نصف مليون دولار مكرمة للشبلي لإصدار قانون ترحيل العرب من كركوك وقد أرسلت تركيا نسخ من الوثائق والصك لحليفتها الولايات المتحدة.

كما يقال أن الذكاء السياسي موهبة ولكن الغباء السياسي كارثة فالبرزاني اختار وقتا غير مناسبا فقبل أيام سرب إعلامه المريض خبرا بأن العاهل السعودي عرض عليه مليارين دولار لغرض التنازل عن كركوك وهم مبلغ لو كان حقيقيا فان البرزاني لكان تنازل عن كل أحلامه الانفصالية وليس كركوك فقط؟ ويبدو ان الرياض كانت اشطر فقد أجابت بان البرزاني يعرف قبل غيره ان كركوك ليست كردية وكانت صفعة على خده الأيمن!وقبل ان يستفيق منها جاءت الصفعة التركية على خده الأيسر لتحقق التوازن في الوجع ؟ فقد كان التوقيت متزامنا مع مرحلة حساسة بالنسبة الى تركيا فجيشها مشغول بمطاردة عناصر حزب العمال المحظور؟ وهناك خلافات شديدة بين قيادة الجيش والحكومة حول إستراتجية التعامل مع الأكراد وحزب العمال بشكل خاص؟ كما ان تركيا تخوض غمار دعايات انتخابية قادمة .

ويبدو أن الطلباني على عكس البرزاني و كادره السياسي برهم صالح الذي هدد بالأنسحاب من الحكومة العراقية في حال عدم حل مشكلة كركوك، فقد فهم الطالباني الأزمة وحللها بفكره الساذج خصوصاً ان المتحدث بأسم البيت الأبيض عبر الآخر عن اسفه واستغرابه من تصريحات البرزاني، ليستخلص ان الأمر جد وليس لعب هذه المره فهاتف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ليعتذر منه عن تصريحات رفيقه في درب العمالة، وذكر المتحدث الرسمي بأسم الرئيس التركي محمد عاكف بان الطالباني عبر عن أسفه لتصريحات البرزاني وشدد على أهمية العلاقات مع تركيا، وعلم الطالباني ان الأسف لا يعني الكثير لتركيا، لذا فقد طالب الرئيس التركي بالتحرك السريع لشن هجمات على قواعد حزب العمال الأرهابي حسب تسميته لعل هذه التوصية تشفع له عند تركيا، اما رئيس الوزراء المالكي الذي اضاف البرزاني لحكومته مصيبة جديدة فقد اعتبر ان السياسة الخارجية تخص وزارة الخارجية وهي فقط التي تعبر عنها؟ لكن مع هذا فان رئيس الوزراء التركي الذي سبق ان صرح بأن البرزاني تخطى الحدود وستسحقه كلماته؟ لم يلين تجاه هذه الأعتذارات ومن موقع الأقتدار نصح الأكراد بأن لا يتفوهوا بكلام لا يستطيعون تحمل عواقبه وأن يدركوا حجمهم لأنهم قد يسحقون جراء هذا الكلام. في تلميحة بارزة لتصريح البرزاني " بأنه إذا تدخلت تركيا في شمال العراق فأن الاكراد العراقيين سيدخلون مدنا في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية.ولكن يبدو ان غطرسة البرزاني اكبر منه، منطلقاً من مبدأ ان دواء العقرب...؟ فقد اعتبر أعتذار الرئيس الطالباني لنظيره التركي يعبر عن موقعه كرئيس لجمهورية العراق وليس بالضرورة اقليم كردستان، وهذه احجية كردية من الصعب فك رموزها باللغة العربية؟.

*كاتب ومفكر عراقي


في الخميس 12 إبريل-نيسان 2007 01:00:20 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=1538