برنامج الرئيس الصالح...مئة صورة لكل مواطن
عبد الملك المثيل
عبد الملك المثيل

يبدوا المشهد مظلما لدرجة ترغم المرء على تبني قناعة ليس فيها أثر لخيط أبيض,يستطيع من خلاله تحديد موضع الخطوة الأولى للسير في طريق توصله لنقطة تفاهم,تقنع الناس بحتمية اجتثاث تلك الممارسة السلبية,التي صارت معلما من معالم الولاء المطلق للحاكم الواجب وضع صورته(المتعددة الأشكال والألوان) في كل شبر من تراب الوطن,المقزّم بأرضه وشعبه وتاريخه في صورة القائد الرمز,والمنقذ المخلّص الذي ليس له بديل في أوساط ما يزيد عن 22 مليون نسمة,وكأنه بحسب تلك (السخافة الأمنية) قد منح الخلود دون سائر البشر,مع أنه مثلهم تماما سينتهي عمره المكتوب لحظة وصول عزرائيل,ليغادر ويبقى الوطن شامخا بجباله الشماء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

تنوعت الألقاب وتشكلت الصفات واختلفت الأسماء والمزايا,المفروض قولها بفخر وأنفة قبل نطق إسمه الكامل,ثم تزيين ذلك بديباجة"حفظه الله ورعاه" لتكتمل معالم الولاء له وحده في الدنيا دون سواه,لا يشاركه أحد من قريب أو بعيد,لأنه بحسب مراسيم الطاعة فرد عجزت الأمهات ولادة مثله في زمننا,لحكمة إلهية أوجدته منفردا من بين كل الناس,ليسخر بإنفرادته تلك لقيادة الشعب,حسب قول شاعر ذات أمسية ولاء لفخامة المنفرد الذي أتقن استخدام قرابين الطائعين لبسط نفوذه على الجميع .

صورته اليوم..فن آخر من فنون الولاء,وكم يكون الفن عميقا عند الإجتهاد حدّ "التعبد" في ابتكار عبارات تمنح القائد العظيم جزءا يسيرا من حقه,لذلك لا غرابة أبدا وصورته(حفظه الله ورعاه)مذيلة بعبارة "أنت خيارنا" بفتح الخاء لا بكسره,ولإثبات مصداقية ذلك التوجه المستنبط من الإيمان بمعجزة "المنفرد" جائت عبارة أخرى,كانت في قسوتها أشدّ وأقوى من معالم الفقر والضياع والمرض والفوضى وقتل أحلام وآمال البسطاء وما أكثرهم,لتبدوا منفردة كالمنفرد نفسه إذ لم يسبق لأحد قبله ومعه شرف نيلها والحصول عليها .

هنيئا لشعب أنت قائده.....جملة كتبت تحت صورة عملاقة, ولسوء المشهد كان أمامها العديد من الأطفال الناظرين نحوها,بعيون خالية من الأمل,وأجساد لم تكف الثياب لدرء نحافتها,بينما أغلب الأقدام الصغيرة تفتقد الأحذية لتحميها من حرقة الأتربة حتى تطول فترة التحمل و النظر إلى الزعيم .

هنيئا لشعب أنت قائده....تهنئة خصها أهل الولاء لشعب فتك به داء الوصول المنتشر في عقول ونفوس المرتزقة المنبطحين أمام أبواب وبلاط الصالح,المتلذذ على ما يبدوا بانهيار قيم المجتمع التي بدأ خاصته وبطانته في تفكيكها رغبة في المزيد من المتساقطين أمام أبوابه وعلى بلاط قصره ودار رئاسته,العارفين بمدى تأثير صورته وتعليقها في منازلهم ومقرات عملهم,ولصقها في زجاج سياراتهم,وقبل ذلك القسم بأنها ساكنة في قلوبهم,طمعا في قبول أصول ونوافل ولائهم وطاعاتهم,ومن ثم توزيعها في أي مكان يعلموه حتى تنطبع في أذهان الجماهير المتعلقة (حسب التقارير) بقائدها ورمزها المتواجد في كل مكان .

صورته أمامك أينما ذهبت,لعلك من خلالها تقنع نفسك أن هنالك منجزات,حتى أنك من كثرة الصور تنسى أن تسأل نفسك...لماذا كل هذا ومن يدفع التكاليف وكم التكلفة ومن المستفيد؟؟ .

سيقنعك الراسخون في النفاق والتزلف,أننا كشعب استفدنا من صوره المليونية المنتشرة في الوطن,فيكفي أن (حركة التطور العملاقة القائمة) تتم تحت بصره وعينيه,والشاهد على ذلك الملعب الرياضي في العاصمة صنعاء,المتوج بصورة عملاقة للقائد الملوح بيده لجماهير شعبه الوفي,وفاء ذلك المعلق (لمباراة خسرها منتخبنا كالعادة) وهو يشارك أيضا في سباق انتقاء كلمات الولاء للباني العظيم الذي منح الشباب والرياضيين تكريما خاصا لحظة سماحه بوضع صورته المعبرة عن عظمة الوطن؟! الكلام للمعلق طبعا .

الفقر والجوع,وانعدام أسس الحياة البسيطة,وشعور ما يقول لك في هدوء...لو كان في برنامجه الف صورة لكل مواطن لصدق!! أسباب تدفعك للحديث مع نفسك والآخرين عن القيمة المرجوة من تلك الصور,وهل بلغنا من الترف حدا يجعلنا نستهتر بالمال لنصرفه في الطباعة والتعليق؟ وهنا تقول مبالغا...لو كنا أغنياء ومترفين ما تضايقنا من وضع وتوزيع صورته بتلك الطريقة,لأننا سنعتبر ذلك وفاءا لقائدنا وردا لمحاسنه التي وفرت لشعبنا كل متطلباته,لكننا للأسف نكابد قسوة الحياة ونعاني(ليس من نقص حاد في أداء وزاراتنا الخدمية) بل تنعدم خدماتها التي يجب تقديمها للمواطنين,فماذا لو تم ضخ أموال التصوير في حساب الشعب المنهك؟ هل ذلك سيعين بطوننا الخاوية,ويحذي الأقدام الحافية,ويكسوا الأجساد العارية,لنتمكن بفوائدها من النظر بوفاء لصوره العملاقة المنصوبة من لقمة عيشنا في شوارعنا الترابية الخالية من الإنارة .

الصورة أيضا,حجزت لنفسها مكانا مميزا في قطار التوريث,لتمكيجه بحضورها المستقدم من ذخيرة المستقبل,وكان اهل الولاء بذلك يربطون الجيل بقائده حتى لا يكفرون بمنجزاته المتواجدة في طفولتهم!!ولهذا يحملون صورته فوق رؤوسهم ويضعونها على صدورهم,ليثبتون له...أنه وليس هم...إستراتيجية المستقبل .

في المكاتب والسيارات,على الرؤوس والصدور,في شاشات التلفونات والخواتم والأقلام والساعات,فوق أسطح المباني تنتصب صوره المضيئة,وعلى حبال تنشيف الملابس رصت صوره جنبا إلى جنب,على لوحات الإعلانات وأعمدة الكهرباء والمحلات,في التلفزيون والصحف والمجلات,في مكاتب الوزارات والهيئات الحكومية,في منازل ومقايل الوزراء والموظفين والراغبين في الوصول,على قمم الجبال ومداخل ومخارج المدن,في وفي وفي,هنا وهناك,تلتقي بصوره المليونية بأشكالها المتنوعة,فتارة بالملابس الأجنبية الباهضة الثمن,وأخرى بالزي الوطني المصنوع من القماش الغالي,تراه ممتطيا صهوة الحصان وواضعا نظاراته الشمسية حفاظا على عينيه الغاليتين من الغبار,ولحظة رغبته في التهديد والوعيد تلتقي به مرتديا في الصورة بدلته العسكرية ,وعند عودته لمعسكر السلام تلتقي به مصافحا الشعب ومستقبلا الأوفياء,ومقبّلا جيل المستقبل الذي يضع على عنقه وكتفيه ورود الوطن وفله وأزهاره .

هكذا هو الوفاء(المصلحي المؤقت) للقائد,وهكذا ضاعت البلاد داخل صورة حملت في برويزتها قصة وطن صار حطاما بتاريخه ومجده وحضارته,يوم أن عاد برغبة وتخطيط أهل الولاء والبلاط والمرتزقة,لممارسة طقوس الجاهلية التي غدت الوسيلة الوحيدة والأسرع للوصول نحو الآمال وتحقيق الأحلام الشخصية .

بعيدا عن الوطن اليمني بمسافة تتجاوز العشرة الف كم تقريبا,وفي دولة عظمى تحكم العالم,سبقتنا أيضا بمسافة مماثلة في الوطنية والإخلاص والحقوق والعدالة والقانون والمساواة,بحثنا بجد واجتهاد عن صورة الرئيس,فتشنا عن مباني تزين نفسها بعبارات التملق والنفاق للرمز المصور فلم نجد لذلك أثرا في كل الولايات التي عشنا ومررنا بها,حتى أنك تتخيل أن البلاد تحكم نفسها وليس لها رئيس ورمز وصنم بشري يعبده الناس .

الشعب هنا برغم كفره كما قالوا لنا يوما في وطننا الأم,تجاوز مسائل الوطنية والولاء للبلاد فذلك أصبح أمرا مسلما لا يزايد به أحد على الآخر,فالجميع يدينون بالطاعة والولاء بعمق

وصدق لوطنهم فقط,ولذلك يمضي الجميع ويتحرك الكل رجالا ونساء في عملية البناء بجهود متراصة تتوارثها الأجيال من أجل مواصلة السير في طريق شقه الآباء لتأسيس وطن الأحلام التي تحققت وستتحقق لأن أحدا ما لا يمكن له أن يختزل كفاح وعرق الأمة ليفصلها على نفسه ولو كان ذلك الأحد هو الرئيس .

المباني الشاهقة والجسور العملاقة,والمطارات والمعسكرات ليس فيها صورة لأحد,لكن أحرفا محفورة بعناية وفن,تقرأ من خلالها قصصا عن المهندس والمصمم والعبقري الذي أبدع في التخطيط والتنفيذ,والجندي الذي قدم نفسه رخيصة ليحيا البقية,أما الشوارع الواسعة بنظافتها وأناقتها فلا صورة لرئيس أو زعيم,بل تجدها مزينة بتماثيل متعددة لعظماء الوطن من المحاربين والأطباء والعمال والمهاجرين,الذين خلدوا تاريخهم ووطنهم بتضحياتهم المدونة في كتب التاريخ ومناهج المدارس التي تحفر في أذهان الأجيال القادمة عظمة ومهمة كل فرد من أبناء الوطن الأمريكي,الخالي والكافر والمحرم لتفاهة الرمز الذي ليس له بديل .

في كل ولاية ومدينة تمر من أمامك ملايين من السيارات الفاقدة لشيء إسمه صورة,كما تشاهد آلاف القنوات الغير مهتمة بالمدح والتطبيل والتسويق للرمز,بل إنها تتفنن في التنكيت عليه والتشهير به حال نكثه بالوعود الإنتخابية وكم تكون قاسية عند مخالفة الرئيس بندا من بنود القانون إذ تفتح عليه أبواب جهنم لتحرقه بنار النقد على مرأى ومسمع من الشعب والعالم .

الرئيس في أمريكا موظف له صلاحياته وحدوده الدستورية,أنتخب للعمل وقيادة الأمة وليس لإلتقاط الصور والإنشغال بأماكن تعليقها,ولا يمكن له وضع صورته أو نشرها على حساب الدولة والمواطن,فراتبه معروف ومعلوم ولا يمكن له الحصول على دولار واحد زيادة أو تكون له ميزانية خاصة,ليصرف منها لمن يرغب ويمنح منها لمن يحب,وهو أيضا لا يملك الحق في التعرض لأحد أو إلقاء الأوامر بالقبض على من يختلف معه ويكرهه,خاصة من الصحفيين والإعلاميين الذين يعملون بحرية مطلقة وهم يعلمون أن أحدا ولو كان الرئيس نفسه عاجز عن منعهم من العمل أو توقيف صحفهم وحجب مواقعهم,فالرئيس أصلا يعلم أنه مواطن يتساوى في مواطنته مع أبناء شعبه ,ويحتكم مثلهم لقانون ودستور يلزمه بأداء عمله ووظيفته ولا شيء غير ذلك أبدا .

حتى اليوم نواصل رحلة البحث عن صورة الرئيس الأمريكي,لكننا لم نجدها حتى الآن,وحقيقة لم نرى في المباني العالية ولوحات الإعلانات سوى صور مميزة لأبطال الرياضة والفنانين والمبدعين في العلوم وخدمة المجتمع,غير أن صورة الرئيس الأمريكي موجودة في سجل الرؤساء,فهنا لا يمكن لرئيس أن يوجه بمسح تاريخ من سبقه حتى ولو كان يكرهه ويحقد عليه,لأنه يقف على اطلاله خيرا أو شرا ليواصل الإبحار بالوطن العظيم نحو المحطة التي رسمها الآباء والأجداد .

فارق آخر.....الرئيس الأمريكي لا يستطيع صرف دولار واحد لقريب أو معروف أو صديق,كما أنه يعجز في توظيف أخيه وإبن أخته وإبن الجيران وصديق إبنه وابن صديقة زوجته,وطوال التاريخ الأمريكي لم يعرف عن رئيس أنه صرف سيارة أو دراجة نارية أو رتبة عسكرية,ومنح أرضا وطحينا وحديدا وإسمنتا وتذاكر سفر لمخلوق,لأنه في الأساس عاجز عن صرف ذلك لنفسه بحكم الدستور والقانون .

aalmatheel@yahoo.com


في الخميس 18 يونيو-حزيران 2009 10:17:12 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=5471