هكذا انتصرت غزة !
خالد زوبل
خالد زوبل

لقد هُزمت العراق وكانت تمتلك ترسانة عسكرية وسلاح كيماوي في أسابيع معدودة من الاحتلال الأمريكي2003م، وهُزمت ثلاثة جيوش عربية ( مصر والأردن وسوريا ) من الكيان الصهيوني في حرب النكسة 1967م في ستة أيام فقط، واليوم يخرج الكيان الصهيوني من قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته الـ 360 كلم مربع ، يخرج منها مهزوماً ذليلاً لم يستطع التوغل فيه بعد قرابة الشهر وبعد حصار لأكثر من ثمان سنوات ودعم مصري وتواطئ عربي إسلامي مُهين ... كل هذا يدعونا لإطالة التأمل والتفكّر وضرورة الإجابة على أنفسنا ولأمتنا بصراحة .... أن كيف تم هذا ؟ ولماذا ؟

لقد تغيرت موازيين الصراع ، ولقنت الأبطال الغزاوية دروسا قاسية للكيان الصهيوني وأذنابه من صهاينة العرب المستعربة، وانتكست رؤوس وتلاشت مؤامرات ، وارتفعت معنويات فصارت قمماً ..

إن لله تعالى سنناً في الكون لا تُحابي ولا تجامل فصيلاً دون فصيل أو جماعة أو حزب أو تيار ، (( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا )) (الإسراء20) ، فالإسلام لا ينصر نفسه بنفسه وإن كان وهو الدين الكامل إلا برجالٍ ينصرونه ويحمون حياضه ( ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) ، وليس الخامل كالباذل ، ولا من يطويه الليل راقداً كمن يطويه جاهدا مجاهداً .. و ما لا يختلف فيه اثنان : أن حركة المقاومة الإسلامية حماس وبقية الفصائل عملت واجتهدت وأكرمت الأمة بأكل ثمار النصر التذاذا من شاشات التلفاز ، وقد قيل في المثل بالبلدي ( اسعَ يا عبدي وأنا أسعى معاك ) وكانت قد عملت قبل هذا لسنين لهذه اللحظات وما بعدها ... ولعل أبرز ما لوحظ من فعل الأسباب من أؤلئك الرجال التي أدت لهكذا نتائج حسب كثير من التحليلات والواقع المشاهد ما يلي :

- أولاً : العقيدة القتالية : وتمثّل هذا في البناء الإيماني الذي تبنته حركة حماس من حين حكمت غزة والذي هو من أولويات الحركة الإسلامية المعاصرة فأحكمت الانتشار وتربية المجتمع ثم تربية أفرادها بالذات وصبغهم بالعقيدة الجهادية والتربية الإسلامية الصحيحة والاعتماد على الله سبحانه وتعالى وحده نِعم الثقة والحسيب والوكيل ، وغرس حب الجهاد والشهادة في سبيل الله ثم وضوح الهدف وهو الدفاع عن القضية العادلة التي تحملها الأمة كلها وهي تحرير كل شبر من أراضي فلسطين المحتلة ،،، هذه التعبئة الإيمانية والعقائدية تعتبر أسّ البطولة ومفتاح الانتصار الأول والأخير ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) ، وقد أثمرت بالبطولات الخارقة والاستبسال والإقدام من رجال المقاومة في الميادين التي أذهلت العدو والصديق في آن ، لذلك كان هو رأس المال التي تراهن عليه المقاومة حين رجحت موازين القوى العسكرية الظاهرية لصالح الكيان الصهيوني، فالأمة المسلمة إنما تقاتل بالله ولله لا بعتاد وعدة وإن بذلت وبذلت فالنصر من الله وحده ليس غير ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) .... لقد فهم هذه العقيدة البسيطة في مأخذها العميقة في منبتها المشركون وهم ذاهبون لقتال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في بدر –حينما قالوا لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال - : « فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة »! . هكذا هو : لا أحد بالله من طاقة ، ولا أحد بجنوده وحزبه ورجاله من طاقة ! ولكن ليت أعرابنا يفقهون أن الإيمان يصنع المعجزات!

بل حتى في الشؤون العسكرية العالمية والتاريخ الحي يشهد أن ( العقيدة العسكرية هي الفكرة الأساسية للجيش )، ولعلك شاهدت تاريخ الحروب والصراعات وأن الجيوش التي تحركها العقائد تكون حروبها أشد ضراوة وتقاتل بشراسة دفاعا عن المبادئ التي تعتنقها ، لا كالجيوش الخاوية المبادئ التي تحرّكها المكافآت وتفككها الحرمان !   

- ثانياً : الأمن المعلوماتي : وتمثّل هذا في أمورِ عدّة ، أهمها : إحكام قطاع غزة أولا وتنظيفه من شلة دحلان وزبانيته من عملاء الموساد والمفرطين في قضية القدس كمحمود عباس وغيرهم من رؤوس الضلال والمساومة على قضية الأمة الرئيسية ، حتى بقيت المقاومة ولله الحمد عصية على الاختراق الذي كلفها كثير من قياداتها في السابق من اعتقال أو تصفية بسبب التعاون الأمني الإسرائيلي مع شلة عباس ورفاقه، والتي ما زالت تُطال كل من يناصر المقاومة من أبناء الضفة والخليل ورام الله !

ومنها أيضاً : إخفاء المعلومات الخاصة بأمن الكتائب القسامية والقيادة حماية منهم من كيد العدو والاستئصال بل وأكثر من ذلك اختراق مواقع مهمة وحساسة صهيونية ما أدى إلى تبديل كامل في موازين القوى الاستخبارية لدى الطرفين !

إن من يمتلك المعلومة عن خصمه هو الذي يمتلك عنصر المفاجأة والمبادأة والقوة ، ومن يفقدها يكون مكشوفاً وعرضة للتصفية والاستئصال في أية لحظة، وهذا ما أدى إلى هزيمة الجيوش العربية في حرب النكسة بشهادات ضباط بعد الحرب أن السبب الرئيسي للهزيمة هي أن ( إسرائيل كانت تعرف كل شيء عن الجيوش العربية ، ولا تعرف الجيوش العربية عنها شيئا ) ، وما نتج عنه تدمير 85% من طيران الجيش المصري في اليوم الأول فقط على سبيل المثال !!!

ونلاحظ كيف تاهت إسرائيل في رسم أهدافها : فقالت : تدمير الأنفاق ، وما نجحوا ، ثم قالوا : أمن إسرائيل وما زيدوا إلا خوفا ورهباً ، وقالوا نزع سلاح حماس ، وما استطاعوا أن يصلوا إلى قطعة سلاح حمساوية سوى بدلة وبقية سلاح ساقط بعد شهر كامل! وبالمقابل طارت طائرات بدون طيار قسامية الصنع فوق سماء بني صهيون، ودرست الكتائب التوغل البري وتصدت له ببسالة ، واحكمت المداخل والمخارج ، وهو ما غير المعادلة إلى أن إسرائيل هي التي لا تعرف عن حماس شيئا فيما تعرف حماس كل شيء عن تحركات جنود العدو وإلى أي كمينٍ سوف يسقطون !

ثالثاً : الحرب النفسية : وهي التي نجحت فيها المقاومة وقناة الأقصى نجاحا باهرا حتى صارت قدوة للإعلام الإسلامي النقي الذي يفت في اعضاد الكفر والزندقة بالشاشات .

وتجلّى هذا في شعارات المعركة ( العصف المأكول ) ، وفي بيانات الكتائب ، واختراق مواقع القنوات الصهيونية وإرسال رسائل تهديدية للشعب وخلخلة الثقة بين حكومة نتنياهو وشعبه المحتل ، ولم يظهر أي نبرة للهزيمة طوال الحرب والقصف العنيف على أهالي القطاع ، بل كانت المفاجآت والمفاجآت ومقاطع عديدة كل يوم من قنص وقتل واختراع ما شد معنويات الأمة ورفعها عاليا ودمّر نفسية الكيان الصهيوني وجنده أيّما تدمير !!

إن قتل الروح المعنوية في الخصم هي من أكبر مهام القتال ، بل غالباً ما تتقدم على مهمة المواجهة المباشرة وتسبقها ، فقتل روح المقاومة في نفوس العدو هي مقدمة للإجهاز عليه بلا ممانعة أو ممانعة مهزومة أو مهزوزة الثقة بنفسها وجيشها ! وهذا ما نجحت فيه حماس والسرايا وقناة الأقصى وإعلام القسام ، وهو ما فشل فيه الإعلام الصهيوني فاضطرّ إلى التكتيم على مستوطنيه حتى قال محللون منهم بأن : إعلام القسام أصدق بكثير لديهم من إعلام حكومة نتنياهو !

رابعاً : الظهير الشعبي : لقد نجحت فصائل المقاومة وحركة حماس في التغلغل في أوساط المجتمع وكسب ولاءه ، وتوحيدهم على اختلافهم على هدف واحد هو مقاومة العدو ... والجوع ولا الركوع .. وهو ما جعل غزة العزّة تصمد صموداً أسطوريا لثمان سنوات على الفقر والجوع وانطفاء الكهرباء وانقطاع المؤونة بدون التململ والطعن أو التبرؤ من المقاومة بل ما كان ديدنهم إلا الالتفاف حول المقاومة وإسنادها شعبياً مهما كلف الأمر من تضحيات من مدنيين ونساء واطفال ، لأنهم جربوا كل حلول عباس والجامعة العربية فما رأوا أصدق من بنادق القسام ،،، أثخن وأبرك وأصدق !

ولعّل هذا الظهير الشعبي هو كرامة من الله وفضل وجزاء لهم على أعمالهم وتضحياتهم وعلى نظافة قياداتهم التي لم نر في تاريخنا المعاصر أنظف منها عملاً وثباتاً وجهادً وتضحية وتسابقاً إلى الجنان، فأكرمهم الله بمن يساندهم ...بـ (( إني أحب فلاناً فأحبوه )) ، (( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين )) ، وبمثل هذا التكوين الشعبي بعد التكوين الفردي تنقلب الموازين وتجعل من في قلبه ذرة من إيمان أو خير ينصاع للاختيار الشعبي ورضاه بدافع اشتراك حقوق الإنسان والآدمية، وهو ما يفسر لنا التعاطف شعوب العالم وخروجها نصرة لأهالي غزة ، وما هذا إلا رداًّ للجميل وإن لم يعرفه أهالي غزة، لكن التحامهم وصل للعالم أجمع فردوا له التلاحم بتلاحم لولا المقامع من الحديد !

وأيضاً الإعداد الطويل والتدريب المتواصل وتطوير سلاح الهندسة الخاص بالكتائب والأنفاق والتصنيع ، وغيرها من الجد الذي لا بد أن يأذن الله له بالثمرة ...

وبعد كل هذا حُقّ لنا أن نحمد الله ونشكره ونستغفره على هذا الانتصار العظيم، لأنه سيقلب المعادلات في كل دول الربيع ويزيد الأحرار إصراراً على التمسك بمقاومة الظلم والطغيان والفساد السياسي والمالي والإداري، وسيلجم الصهاينة وأتباعهم عن حربهم للإسلام ورجاله أو سيجعلهم يفكرون مئة مرة قبل حرب الإسلام ألا يكون تحتهم أنفاقا أو أمامهم مقتدٍ بقسامي !


في الخميس 07 أغسطس-آب 2014 01:11:37 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=40184