التجديد في علم العقيدة
أ. د/أ.د.أحمد محمد الدغشي
أ. د/أ.د.أحمد محمد الدغشي

مأرب برس - خاص

رغم التميز الذي يحتلّه مصطلح ( العقيدة) من بين العلوم الشرعية جميعاً، سواء من حيث ضرورته الكليّة العينية على كل مسلم، أم من حيث آثاره السلوكية والعملية فلا أعلم نظيراً للجدل الذي اكتنف نشأته وذيوعه، حيث من المعلوم أنّ لفظ (العقيدة) لفظ حادث لم يتواضع عليه جيل الصحابة، ولا تعارف عليه السلف الأول، وإنما هو انبثاق عن التفاعل الفكري الذي غشي المجتمع الإسلامي إبّان الجدل الكلامي الذي أسهم في بروزه التفاعل الإيجابي والانفعال السلبي معاً إزاء الفلسفة اليونانية ومقرراتها، مما أدّى إلى محاولات مقدّرة في التصدّي لما عُدّ تنافياً مع مقررات عقيدة التوحيد الإسلامية ومنطلقاتها، ولذلك طغى مصطلح العقيدة على مصطلح حادث آخر هو علم الكلام، الذي لا يختلف في جذور نشأته ومبررات استعماله – من حيث الجوهر -عن مصطلح العقيدة، في حين هُجر -إلى حدّ بعيد- المصطلح الأصيل وهو الإيمان.

 وحين يرد الحديث عن التجديد في علم العقيدة فليس ثمّة بدع من القول في هذا، إذ الجدير بالتأكيد أن العقيدة الإسلامية تتسم بخاصية الواقعية التي تعني معالجة مشكلات الواقع ذات الطابع العقدي بحسب طبيعتها وملابسات ظهورها وأسباب انتشارها. وإذا كان أسلافنا العظام قد استوعبوا هذه الحقيقة فراحوا يتداعون إلى التصدّي لمشكلات بيئاتهم العقدية، سواء تلك الخارجية القادمة من فلسفات أجنبية صريحة، أم الأفكار الداخلية التي عدّها بعضهم انحرافاً عن صحيح العقيدة ، ووقوعاً في التأثر السلبي على نحو أو آخر بأفكار وافدة، لا تستقيم ونقاء عقيدة التوحيد الإسلامية؛ فإننا لا نعلم أحدا منهم زعم أن هذا هو المنهج العملي للنبي – صلى الله عليه وآله وسلّم- أو للرعيل الأول من السلف الصالح، وليس أدّل على ذلك من أن ثمّة نهياً صريحاً عن الاشتغال بالجدل حول القدر وفقاً للحديث الصحيح في هذا:" إذا ذّكِر القدر فأمسكوا"، ولكن لمّا ظهرت جماعة في أواخر عهد الصحابة، عُرفت بـ(القدرية)، تنفي حدوث القدر (السلبي) تصدّى لهم كبار فقهاء الصحابة وعلمائهم أمثال علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عبّاس - رضي الله عنهما- بالحجّة والبرهان، كما أن فتنة خَلْق القرآن التي اشتهر بالتصدّي الحادّ لها الإمام أحمد ابن حنبل –رحمه الله- لم تكن معلومة -على ذلك النحو- عند من سبقه بمن في ذلك النبي- صلى الله عليه وآله وسلّم- . ولم يكن الإمام أحمد المبتدئ في إثارتها، لكنّها فُرضت عليه بعنف الدولة وقهر بعض ساستها وبطانتهم الفكرية، وفي مقدّمتهم ابن أبي دؤاد، وحين أخذوا في التوسّع بالقمع بالشبهة فإنه أخذ يتوسّع في التصلّب بالحجّة. كما أنّ رأي مخالفيه كذلك ليس سوى دفع لشبهة روّجّ لها أحد رجال النصارى ويدعى يوحنا الدمشقي، الذي عمد إلى إشاعة أن كلمة الله قديمة، ولمّا كان القرآن قد ذكر أن عيسى ابن مريم كلمة الله ألقاها إلى مريم؛ فإنّ يوحنا كان يبثّ بين المسلمين أن كلمة الله قديمة، وراح يطرح – بعد ذلك- سؤاله بينهم: ": أكلمته قديمة أم لا؟"، فإن قالوا : لا فقد قالوا إن كلامه مخلوق ، وإن قالوا قديمة ادّعى أن عيسى قديم. وبصرف النظر عن التلبيس في ذلك، إذ إن معنى أن "كلمة الله" أن الله خلقه بكلمة منه، كما نص على ذلك في آيات أخرى، لا أنّه هو ذات الكلمة (راجع في ذلك: الإمام محمّد أبو زهرة في تاريخ المذاهب الإسلامية، ص 480)؛ فإن المقصود أن ذلك الجدل لم يكن منهجاً مضطرداً ، بل حالة مؤقتة، مرتبطة بأسباب وملابسات خاصة.

وعلى ذلك فلا مناص من تقرير حقيقتين: إحداهما: أن مباحث العقيدة أمر مرهون بحقيقة المشكلات المثارة في كل ظرف وحين، ولعلّ في نسبة تسمية بعض المصنّفات في هذ المجال إلى مصنّفيها كالعقيدة الطحاوية، والعقيدة الواسطية، والعقيدة النجدية، والعقيدة التفتزانية، والعقيدة النسفية الخ... .ما يؤكّد ذلك والحقيقة الأخرى: أن كل جدل أو نقاش دار ويدور في باب العقيدة إنما هو في فروعها لا أصولها، وفي متشابهها لا في محكمها، وتلك مباحث علمية يسوغ فيها ما يسوغ في فروع الأحكام، كما يقرّر ذلك أئمة الإسلام ومحققوه عبر كل العصور أمثال أبي إسحاق الشاطبي وأحمد بن تيمية، و صالح المقبلي وجمال الدين القاسمي، وذلك موثّق بنصّه في بعض دراسات صاحب هذه السطور ككتابيه( أهل السنّة والجماعة : إشكال في الفهم أم في المفهوم؟) و (الخلاف السلفي السلفي ...)

والأصل أنَّ السلف وجميع الراشدين من المسلمين يستنّون بمنهج الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، أولئك الذين عالج كل منهم مشكلة قومه من جنسها، وعلى سبيل المثال فشعيب عالج مشكلة قومه الاقتصادية {أوفوا الكيل ولاتكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم} (الشعراء 181-182)، ولوط عالج مشكلة قومه الأخلاقية {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} (الأعراف 80)، أما هود فقد عالج مشكلة قومه العمرانية الاجتماعية {... واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} (الأعراف 69).

وكذا صالح }.. واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون من الجبال بيوتاً، فاذكروا الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} (الأعراف 74).

وهكذا كل رسول لا ننتظر منه أن يتغافل مشكلة قومه ليعود منقِّباً في تاريخ من سبقه كي يستن بسلفه لمجرّد أنه سلف، ولكنه يفيد من منهج سلفه في معالجته لمشكلته في زمنه، فإن بقيت أو ظهرت مجدّداً عاد فعالجها، أمّا إن ماتت وظهر غيرها، فلا يعقل أن يعيد نبشها كما لو كانت غاية بحد ذاتها، بل يسعى إلى البحث عن علاج لمشكلة قومه الراهنة المستجدة.

وحاصل القول أن على المشتغلين بعلم العقيدة اليوم أن يفيدوا من منهج السلف من جانبين: الأول: إعادة النظر في بعض القواعد الكلامية القديمة، التي غدت نظرية أو أنها إلى الاتجاه النظري أقرب، ليتحول الاهتمام إلى القواعد ذات الدلالات العملية والآثار السلوكية الإيجابية.

الثاني:تركيز الاهتمام على الاتجاهات العقدية المعاصرة التي تتهدد العقيدة الإسلامية في الصميم،كالمادية والعلمانية والوجودية والبراجماتية، بدلا من استمرار التركيز حول فِرق إسلامية ضعف حضورها اليوم إلى حدّ كبير، ولا تشكّل أولوية في سلّم الأولويات، فضلا عن أن الاجتهاد مهما انحرف يقدّر بقدره دفعا للحجّة بمثلها. ولا شك أن لكل مرحلة ملابساتها التي تدفعنا إلى أخذ العبرة من جهود سلفنا الصالح في إدراك الأولوية اليوم.


في السبت 10 نوفمبر-تشرين الثاني 2007 04:19:49 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=2796