الجنوب مشروع سياسي وطني
عارف الدوش
عارف الدوش

الجنوب والقضية الجنوبية مصطلحان يبرزان في مداولات السياسة وملفاتها إما كجهة جغرافية أو قضية سياسية وظل الجنوب على الدوام يجمع بين الاثنتين الجغرافيا والسياسة فأصبح بهذا المعنى مشروعاً سياسياً اقتصادياً إجتماعياً وثقافياً يأخذ صفته ونوعيته وفكره وتطبيقاته من كونه جنوباً مختلفاً عن الشمال بكل تفاصيل الحياة كخصوصية جغرافية وبيئية ومكونات سياسية وطريقة حياة وجنوب كل شيء في العالم يعني اعتمالات النضالات المزهرة حرية وعدالة اجتماعية تنزع باتجاه الأغلبية والمشروع الجماعي ومقاومة الظلم والاستبداد وصناعة نماذج حكم تخدم أغلبية سكان الجنوب وتنحاز للفقراء الكادحين والمستضعفين في الكرة الأرضية ولهذا كانت الثورات التحررية جنوبية إلا فيما ندر والنادر لا حكم له.

بينما ظل الشمال في كل شيء على مستوى العالم بالإضافة إلى كونه جهة جغرافية مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي مناقض للمشروع الجنوبي حيث كان المشروع الشمالي مكرساً للفردية والسيطرة والظلم والتوحش في أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية الثقافية باعتباره مشروعاً سالباً للحرية ومعقلاً للعبودية والاستبداد إلا فيما ندر والنادر لا حكم له ولهذا انقسم العالم إلى نظامين شمالي وجنوبي أو غربي و شرقي الأول رأسمالي فردي متوحش يسحق الغلابى كأفراد ودول ويعلي من شأن طبقة الرأسمال والمشاريع الفردية والشركات الاحتكارية بينما الجنوب أفراد ودول مشروع مقاوم للظلم والعبودية والاستبداد فمنه بزغت الثورات وفيه تربت افكار التعدد وازدهرت وفي مدنه تعايشت الديانات والمذاهب والأعراق واللغات المختلفة فكانت مدن الجنوب محاضن للتعايش والتعدد الخلاق من أجل الخلاص من الاضطهاد والعبودية وويلات الفقر وتوحش الرأسمال.

ألم أقل لكم إن الجنوب مشروع سياسي اقتصادي واجتماعي بامتياز وهذا ما كان وسيظل عليه جنوب اليمن فهو على الدوام أرض حرية وتحرر تهفو إليه القلوب والعقول النيرة من أبناء اليمن وتهرب إليه كل الأفكار الغريبة والمرفوضة والمقموعة في باقي البلاد وخاصة في الشمال وشمال الشمال. ولو عدنا قليلاً إلى الوراء سنجد أن الجنوب كان مأوى لكل المناضلين اليمنيين والمشاريع السياسية التي كانت تنشد الخلاص من العبودية والاستبداد فكانت كلما اسودت الحياة في الشمال لجأ الناس إلى الجنوب وقيل إن كبار السياسيين اليمنيين كانوا كلما اشتدت الخطوب باليمن وواجهتم المحن شدوا إلى الجنوب أو طالبوا بفتح نوافذ لهم ولمناصريهم إلى الجنوب وقيل والله أعلم «ان القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري والرئيس اليمني المدني الذي رفض أن تسال قطرة دم يمنية من أجل كرسي الحكم عندما تأزمت الأوضاع بينه وبين مراكز القوى والنفوذ العسكرية والقبلية برغم سيطرة أقرباء له ومناصرين على وحدات من الجيش.. وقيل إنه ذات مرة عندما طلب من اليمن تنفيذ ما يخصها في بنود اتفاقية “جرس السلام الأمريكية”بعد المصالحة بين الجمهوريين والملكيين القاضية بمحاربة ومحاصرة النفوذ السوفيتي في اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي قيل إنه قال بما معناه بدهائه وعقله الراجح «لا تشددوا الحصار على دولة الجنوب الفتية واتركوا لنا منفذاً إن حاصرنا التخلف وعدم القابلية للتغيير» وأنا هنا انقل الفكرة وليس النص وهو ما تم ترويجه وزيادة البهارات عليه بعد ذلك ليصبح مقبولاً لدى الداعمين والممولين لتنفيذ «اتفاقية جرس السلام الأمريكية الغربية» على ان القاضي الإرياني يرحمه الله كان موالياً للجنوب والجنوبيين ليس كهجة جغرافية وإنما كمشروع سياسي وطني مما عجل بتوتر العلاقات وتأجيج الصراعات واستفادت من ذلك مراكز قوى محددة والجميع يعرف تفاصيل ما جرى بعد ذلك·

باختصار جداً ما يجري اليوم في الجنوب هو استجابة موضوعية لنضالات الشعب التاريخية في الجنوب بمعنى المشروع السياسي الذي قدم الجنوب كشعب من أجله التضحيات حتى تحققت الوحدة في 22مايو 1990م وكان حرياً بالنخب السياسية اليمنية بعد الوحدة وحتى اليوم إن تدرك هذه الحقيقة وان لا تسعى لإلغاء ومصادرة المشروع السياسي الجنوبي وإنما الدخول معه في شراكة وطنية حقيقة لكن الوحدة واجهت صعوبات كبيرة والسبب رغبة الإلغاء والسيطرة وانتهت الوحدة للأسف بحرب 94 المشئومة أو «المرذولة» بتعبير الدكتور ياسين سعيد نعمان كونها انهت الشراكة الوطنية وقضت على المشروع السياسي لتفرض مشروعاً سياسياً آخر كان مطبقاً في الشمال مثل «إلغاء القطاع العام والتعاونيات ومنظمات لجان الدفاع واستبدالها بالمشروع الفردي الخاص وتكريس قيم الاستهلاك وضرب قطاع التعاونيات ونهبه وتعميم المشيخة وعقال الحارت وانتشار السلاح وتحدي القانون وشيوع مفهوم الشطارة بمعنى النهب والفيد وتوزيع أراضي الدولة ومزارعها وتدمير البنية التحية لعدد من المصالح ومنشآت القطاع العام بهدف الاستيلاء على اراضيها الزراعية» باختصار أيضاً تدمير مشروع الجنوب السياسي وذلك طرح امام الجنوب كمشروع سياسي تم القضاء عليه وليس كجهة جغرافية متطلبات ارتبطت بنتائج كارثية أوجدتها الحرب مما أدى بعد معاناة وصبر كبيرين إلى الاستجابة للمتطلبات فانفجر الحراك الشعبي السلمي في 2007م وشاركت فيه كل القوى السياسية صاحبة المشروع السياسي الجنوبي أينما تواجدت في ارض اليمن وخارجة باعتبار ذلك منفذاً لمواجهة تعول وسيطرة وإلغائية المشروع الآخر الذي هو بتعبير أدق المشروع الشمالي الذي كان سائداً قبل الوحدة.

·للخروج من النفق المظلم الذي تعيش فيه اليمن أو الدوامة التي تعصرها وتكاد تفقدها توازنها ومشروعها الوحدوي الذي طعن في خاصرته بحرب صيف 94م ينبغي إدراك حقائق الواقع وعدم القفز عليها بفرض الأمر الواقع بقوة السلاح والمال بعد ان تم تدمير مفاعيل القوة الحامية لمشروع الجنوب السياسي والاقتصادي والاجتماعي فلم تعد اليوم مفاعيل القوة والمال هي التي تحدد نوعية المشروع السياسي الحاكم كما كان من قبل فقد تغيرت كل المعادلات السياسية في العالم وفي منطقة قلب العالم التي هي منطقتنا الشرق الأوسط وبدأت المشاريع المغلقة سياسياً إما الدخول في مربعات التدمير لعدم استجابتها للتغيير والتغير وهو ما رأيناه بالأمس في ليبيا واليوم في سوريا وإما الاستجابة للتغيير التدريجي كما نراه في بعض الدول العربية وفي مقدمتها «المغرب والأردن والسعودية» ومن يتابع تطورات الأوضاع في الدول الثلاث سوف يصل إلى استنتاج واحد أن هناك استجابة للتغيير والتغير وفقاً لمقتضيات المرحلة مع عدم السماح بالتغيير الجذري السريع الذي يحدث هزات عنيفة ويمر بحرب تدمر الأخضر واليابس .

· للمحافظة على وحدة اليمن وتجنيب البلاد والعباد من سلسلة حروب قادمة وتشرذم على مراكز اقوى القابضة على زناد المدافع والدبابات والصواريخ والطائرات المقاتلة أن لا تنسى ان الجنوب في زمن التشطير كان مشروعا سياسيا «يسارياً» متطرفاً كان أو معتدلاً بحسب مقتضيات كل مرحلة سياسية والشمال كان مشروعا «يمينيا يتجه رأسمالياً يخلط الدين بالسياسة والتجارة بالسياسة والدين» واقصد هنا بالجنوب والشمال كمشروعين سياسيين حاكمين ولما لم يكن بمقدور أي منهما أن يلغي الآخر ويوحد اليمن بطريقته ومشروعه السياسي كانت الوحدة الاندماجية والتقيا على قاعدة التغيير وفقاً لشروط جديدة هي ليست شروط المشروع السياسي الشمالي ولا شروط المشروع السياسي الجنوبي وبالتالي كانت تنازلات المشروع السياسي الجنوبي أكبر من تنازلات المشروع السياسي الشمالي ولست متحمساً لإيراد التفاصيل فالجميع يعرفها وكل ذلك كان من أجل اليمن والوحدة وليس كما ظل يروج الحكام المنتصرون بالحرب ان ذلك كان هروباً إلى الوحدة فإن صح تفسير الهروب إلى الوحدة فكلا المشرعين الشمالي والجنوب اخفق وهرب هروباً محموداً إلى الوحدة والخلاصة تم الإتفاق على ان دولة الوحدة لا هي المشروع السياسي الشمالي ولا المشروع السياسي الجنوبي وإنما مشروع وطني جديد قاعدته التعددية والمواطنة المتساوية والدولة المدنية الحديثة واستبشر اليمنيون بذلك وانتعشت آمالهم ولكن سرعان ما تكتلت مراكز قوى ممانعة للتغيير وللدولة المدنية والمواطنة المتساوية وانقلبت على كل ما تم الاتفاق عليه ولست متحمساً مرة أخرى أيضاً لسرد التفاصيل فنحن اليوم امام منعطف خطير إما ان يتفق اليمنيون على مشروع سياسي وطني تعددي ديمقراطي يعلي من شأن المدنية والمواطنة المتساوية أو يعيدون خيباتهم من جديد غير مستفيدين من دروس الماضي وسيظلون في متاهة حتى وإن انتصر مركز قوى بالحديد والنار فعليه أن ينتظر ثورة جديدة تقتلعه.

· ومن حقنا كمدنيين ومطالبين بالمشروع المدني اليمني الديمقراطي ان نضع سؤالاً واحداً أمام القوى العسكرية والقبلية القابضة على زناد آلة الدمار إلى متى ستظل بعض مراكز القوى تعتمد على فرض مشروعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بقوة الحديد والنار والحسم العسكري؟! وتتبعه بسيطرة اقتصادية وتهميش وإلغاء مستخدمة نفس الخطاب والمفردات وأدوات القمع “ سلاح وجيش وأمن واقتصاد ووظيفة عامة وفتوى دينية” ألم تدرك قيادات مراكز هذه القوى أن أساليبها لم تتغير وإن تغيرت أسماء الأشخاص ألم تعتبر قيادات مراكز القوى اليوم بمصير قيادات مراكز القوى في مراحل صراع سابقة “ أغسطس 68م في الشمال و78 و86 في الجنوب وحرب صيف 94م المشئومة ؟ّ

يمكن للقابضين على أزرار قذائف الصواريخ والدبابات ومحركات الطائرات بحمولاتها من الصواريخ والقنابل أن يهددونا صباح مساء لكنهم في اللحظة التي سيقررون استخدامها سيكونون قد أعلنوا نهايتهم الأبدية وسوف يسجلون في سجلات التاريخ كمجرمي حرب قد يستطيعون حصدنا كسنابل قمح وتدوسنا جنازير دبابات كأزهار بنفسج وأقحوان لكننا سنسجل كشهداء من اجل الحرية والخلاص بينما هم سيسجلهم كمجرمي حرب وستطاردهم الأجيال في المحاكم المحلية والدولية أن الثورات الشعبية خلقت واقعاً جديداً تم فيه إبطال مفاعيل القوة العسكرية وترسانات الأسلحة فما كان ممكناً في أغسطس68م وفي 78 وفي 86 وفي حرب صيف 94م لم يعد ممكناً اليوم فهناك استعداد لدى الشعب بكل قواه الحية وبصدور عارية مهما كانت التضحيات وأساليب القمع وكثافة النيران لقد كشفت الثورة الشبابية السلمية أن هناك استعداداً لإيقاف زحف الدبابات بالصدور العارية ومواجهة قذائف المدافع بالورود والأناشيد الوطنية ومهما كانت التضحيات.

·وأخيراً هل سنستفيد نحن اليمنيين من الفرصة التاريخية التي أعطيت لنا بالمبادرة الخليجية ووقوف المجتمع الإقليمي والدولي معنا للخروج من النفق المظلم الذي وضعنا فيه النظام السابق وألاعيبه ومراهقاته السياسية وخاصة أولئك القابضين على أزرار المدافع والصواريخ ومحركات الطائرات والمدافع والمحنطين داخل بدلات الكاكي ودسمال وشيلان القبيلة والمشيخة أم سنقف ضد مسلمات التغيير وسنن التغير وسنستخدم ما تحت أيدينا من سلاح لتدمير بلدنا وقد عملتها قيادت مراكز القوى في مراحل سابقة ولمرات عديدة فهل يفقه العسكر ومشائخ القبائل وأصحاب المصالح التجارية الضيقة في هذه البلاد أن الانتصار بالسلاح لا يدوم كما أن ممارسة العمل والرزق والارتزاق بالسلاح أكل السحت ووبال ليس على الأشخاص الذين يمارسون ذلك بل على اليمن برمتها.. اللهم إني بلغت اللهم فاشهد.

aldowsh_4@hotmail.com


في الأربعاء 16 يناير-كانون الثاني 2013 04:34:45 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=18838