القاضي الحكيمي
مصطفى راجح
مصطفى راجح

نستطيع أن نتحدث عن القاضي الحكيمي كنموذج لرجل الدوله القادم من خارج إطار النخبه الشائخه المهترئه بشقيها الحاكم والمعارض . ذلك أن تكلس الطبقه السياسيه السائده في اليمن طوال الخمسين عاماً الماضيه وإفلاسها يمثل احد اهم أسباب تطاول الاستبداد والخراب الشامل الذي نتج عنه

بالرغم من قصر الحدث العام الذي حمل القاضي الوقور الجاد الى الواجهة فقد كان كافياً لتقديم صورة عن وجود يمنيين أكفاء يعيدون لموقع المسؤليه العامه إعتباره بعد ان هبطت به كائنات الواجهه الى قاع التهريج والاستخفاف ، وفي أداءهم اثناء انتخابات 2006 ما يكفي لأخذ انطباع كامل عن تلك الحاله التي ندعو الله أن لا يبتلينا بمثلها

أين كان مطموراً هذا المسؤل الوقور الذي يحسب لكلامه وأفعاله ويزنها بميزان القانون ويبدو وكأنه مشدود الى مقتضيات المهمه العامه التي يؤديها وليس مأسوراً للذهنيه الانتهازيه اللزجه التي غلبت المماحكه والسجالات السياسيه على معايير الوظيفه العامه وظوابطها

في اليمن يوجد قضاة نزيهون ومستقلون ولا يوجد قضاء نزيه ومستقل . في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي برز قضاة من خلال احكام مشهورة حول قضايا رأي عام غير أنهم سرعان ما قذف بهم الى وظائف ذات طابع اداري وبعضهم نقلوا الى مناطق نائيه خوفاً من نمو الظاهرة في العاصمه ومنعاً لاحتمالات تشكل نادي فاعل للقضاة .

لقد وقف النظام واجهزته عائقاً أمام تشكيل منتدى قضائي يكون بمثابة هيئة لرجال العداله لأنه قرأ في مثل هكذا خطوة بداية لتضامن القضاة من أجل استعادة سلطة القضاء من هيمنة السلطه التنفيذيه والادراة الأمنيه ومعايير الولاء للنظام

كان القضاء طوال سنوات العهد الآفل أداة الحاكم وعصاه الغليظه لتأديب معارضيه . ولقد أدى فقدان القضاء لاستقلاليته الماليه والاداريه والقضائيه الى صبغ جزءاً كبيراً من مخرجاته بطابع الانتهاكات والظلم وليس فقط قضايا الرأي العام ذات الصله بالنشاط السياسي والصحافه والفعل العام .

الآن بإمكان القضاة مثل غيرهم من قطاعات الدولة ومؤسساتها العامه أن ينفلتو من طوق السيطرة المضروب حول سلطتهم والخروج بسلطة القضاء من كونها عربة مقطورة خلف السلطه التنفيذيه وخصوصاً أجهزتها الأمنيه الى رحاب الاستقلاليه التامه كسلطه مستقله مهابه تعيد للمواطن العادي ثقته المفقوده بالسلطه المنوط بها إنفاذ العدل في أوساط المجتمع

المنجز الوحيد الذي قام به علي عبد الله صالح هو إعادة تفصيل الدوله ومؤسساتها والبلد عموماً على مقاسه ، والآن نحتاج الى فكفكة هذه الشبكه المعقدة وامتداداتها ليعاد إنتظام سلطات الدولة ومؤسساتها باستقلالية عن الادارة الأمنيه ومفاعيل السيطرة والتحكم والتي وصلت الى ذروتها بالسيطرة على القضاء وحولته الى أداة ضمن أدوات اللعبة السياسيه

لقد استمر القضاة ردحا طويلاً من الزمن أسرى لمن بيده تعيناتنهم وتنقلاتهم وترقياتهم ومرتباتهم ، ومع انهيار القبضة الأمنيه بإزاحة رأس النظام تبدو الفرصة مواتيه لإنجاز استقلالية السلطه القضائيه وهي مهمة كل القضاة ولتكن الخطوة الأولى تأسيس المنتدى القضائي والذي سيكون نقطة الانطلاق لبلورة التصورات حول اصلاح القضاء

حجر الزاوية للدولة المدنية دولة القانون هو القضاء المستقل . وبإمكان كبار رجال القضاء اذا استشعروا المسؤلية وبدأوا عملهم من الآن أن يكونوا المرجعية الأولى في إنجاز العقد الاجتماعي الجديد بالتعاون مع الفعاليات المختلفه والخبرات الدوليه التي سوف ترعى الحوار الوطني وصياغة الدستور الحديد

وقبل هذه المهمه الكبرى نريد أن نشهد حركه في أوساط القضاة ، خطوة تعيد للقضاء هيبته وتبث الطمأنينه لدى الجمهور أن فض المنازعات بين المواطنين وبينهم وبين الدولة سيكون محكوماً بمعايير الحق والقانون وليس أسيراً لوزن المتقاضي وحجم نفوذه ووضعيته الاجتماعيه ومكانته في سلم النظام  .


في الخميس 01 مارس - آذار 2012 06:44:04 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://mail.marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://mail.marebpress.net/articles.php?id=14210